* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: ٢١].
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً ﴾ الهَمزة هنا للاستِفهام، والغالِب أن هَمْزة الاستِفهام إذا دخَلَت على نفيٍ تَكون للتَّقرير، فمَعنَى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: قد رأَيْت، ونَظير هذا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، أي: قد شَرَحْنا لك صَدْرك، فيَكون الاستِفْهام هنا للتَّقرير، أمَّا (لم) فهِيَ حرف جَزْم ونفيٍ وقَلْب.
وتَفسير المُفَسِّر ﵀: تَرى بـ[تَعلَم] فيها احتِمال: أن الرُّؤية هنا رُؤية العِلْم، واحتِمال: أن الرُّؤية رُؤية البصَر، فإن كان شيء مُشاهَدًا للإنسان حيث يَكون حولَه، فهي رُؤية بصَر تَتْبَعها رُؤية العِلْم، وإن كان بعيدًا يَسمَع عنه سماعًا فهي رُؤْية عِلْم.
والخِطاب في قوله ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، إمَّا للنبيِّ - ﷺ -، وإمَّا لكل مَن يَصِحُّ خِطابه.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ أي: من العُلوِّ، وليس المُرادُ بذلك السَّماءَ السَّقْف المَحفوظ، لأنه من المعلوم أن المطَر يَنزِل من السَّحاب، والسَّحاب مُسخَّرٌ بين السماء والأرض، وعلى هذا يَكون المُرادُ بالسماء العُلوَّ.
[ ١٦٩ ]
وقوله تعالى: ﴿مَاءً﴾ هو المَطَر.
وقوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾، سلَكه بمَعنَى: أَدخَله، ومنه سَلْك الخَرَز، يُدخَل فيها حتى يَنظِمها، واليَنابيع جَمْع يَنبوع، يَقول المُفَسِّر ﵀: [أَدخَله في أَمكِنةٍ في الأرض]، يَعنِي: يَنبُع متى أَراده الإنسان، وذلك من تمَام الحِكْمة وتمَام الرَّحْمة؛ لأن هذا الماءَ لو بَقِيَ على ظَهْر الأرض لأَنْتَن وفسَد ولأَفسَد غيره أيضًا، فكان من رحمة الله أن يُدخِله في الأرض يُخزِّنه كما قال تعالى في آيةٍ أُخرى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ تَدُلُّ على التَّرتيب بمُهْلة؛ لأن هذا الذي يَنزِل يَخرُج بالمطَر لا يَخرُج فورًا، لكنه يَخرُج بالتَّدريج، ومن سُنَّة الله ﷾ أن تَكون الأشياء بالتَّدريج؛ لئَلَّا يَحصُل التَّصادُم في الكون.
قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾: ﴿بِهِ﴾ الباء للسَّبَبية، أي: بسَبَبه، وليس المطَرُ هو الذي يَخلُق هذا النَّباتَ، لكنه سبَبٌ له.
وقوله تعالى: ﴿زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ هذه صِفة للزَّرْع، لكن هل المُختَلِف الزَّرع أو لَونُه؟
الجَوابُ: أن المُختَلِفَ ألوانُه لأن الصِّفة هنا عادت إلى غير المَوْصوف مَعنًى، ويُسمِّي عُلَماء النحو ﵏ هذا النَّعتَ نعتًا سبَبيًّا؛ لأن مَعناه يَعود إلى غير المَنعوت، فهو تابع للمَنعوت في الإعراب، ولكن مَعناه لغيره، كما قُلْت: رأيت رجُلًا كريمًا أبوه. فالكريم أَبوه، وإجراء الصِّفة على الأبِ لا على الرجُل؛ لهذا تَقول: (كريمًا) نَعْت لـ (رَجُلًا) أو صِفة لـ (رجُلًا)، مع أن حقيقة الوَصْف في غيره، فيُسمَّى هذا: نعتًا سببيًّا.
[ ١٧٠ ]
قوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾ هل المُراد بالألوان: الأَشْكال أو الأَلْوان التَّلوينُ أو يَشمَلهما؟
الظاهِر أنه يَشمَل هذا وهذا، فأَلوانه يَعنِي أصنافه، ويَعنِي أيضًا اللون، فهذا الزَّرعُ الذي يَخرُج من الأرض بالمطَر تُشاهِدونه يَختَلِف في ألوانه، ويَختَلِف في أَشكاله، واخرُجوا إن شِئْتم إلى أدنى شارع ستَجِدون الاختِلاف العجيب، تَجِدون شجَرتين إلى جَنْب، ومع ذلك تَجِد هذه أوراقها مخُتَلِفة عن هذه، وتَجِد لونها مخُتلفًا عن هذه، وتَجِد الزهرات التي فيها أيضًا تَختَلِف، وتَجِد الثمَر الذي يَخرُج منها يَختَلِف مع أن الماء واحد والأرض واحِدة.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ يَعنِي: [يَيْبَس] ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ أي: أن هذا النباتَ الذي خرَج يَسُرُّ الناظِرين، مخُتَلِف الألوان أَصابه رِيح أو حَرٌّ شديد أو مع طول الزمَن يَيْبَس ﴿فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ بعد أن كان أَخضَرَ ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ فُتاتًا مُتحطِّمًا؛ لأنه إذا يَبِس تَكسَّر، ثُم تَحطَّم.
وقوله: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ تَذكيرًا] ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ يَعنِي: العُقول الذي [يَتَذكَّرون به لدَلالته على وَحْدانية الله تعالى وقُدْرته].
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المُشار إليه كل ما سبَق من إنزال المَطَر من السماء، وإدخاله يَنابيعَ في الأرض، وإخراج الزَّرع به، وعود الزرع إلى الاصفِرار والتَّحطُّم، فهذه عِدَّة أشياءَ تُذكِّر الإنسان: إنزاله من السماء وإدخاله في الأرض، وإخراج الزَّرْع به واختِلاف الألوان، وهذا كلُّه آية وذِكرى يَتذكَّر به أُولو الأَلباب على قُدْرة الله ﷿، وعلى رحمته، وعلى حِكْمته.
فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ﴾ إلخ، أي: يَتذكَّر به أُولو الأَلْباب
[ ١٧١ ]
على أن كل ما كمَل من الدُّنيا عاد ناقِصًا، ويَدُلُّ على هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: ٢٤]، فالذِّكْرى هنا ليسَت مُجرَّد الدَّلالة على وَحْدانية الله تعالى وقُدرته، بل هي أَشمَلُ.
ومن أهمِّها: الدَّلالة على أن ما كمَل في الدنيا فمَآله إلى النَّقْص، فالصِّحَّة مَآلها إلى المرَض، والحياة مَآلها إلى الموت، وهكذا قِسْ كل ما في الدنيا على هذا المِثالِ.