* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٨].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حال] يَعنِي: أن (قُرآنًا) هذه حال، و(عربيًّا) حالٌ أُخرى، يَعنِي: هذا القُرآنُ الذي فيه من كل مثَل هو قُرآن، والقُرآن تَأتي بمَعنَى المَصدَر، وتَأتي بمَعنَى اسمِ الفاعِل أو المَفعول، فمِن إِتْيانها مَصدَرًا: الغُفران والشُّكْران، وأنا أَقصِد بهذا وَزْن: فُعْلان تأتي مَصدَرًا مثل: الغُفران والشُّكران والقُرآن، وهذا المَصدَرُ في لفظ القُرآن يُحتَمَل أنه بمَعنَى اسمِ المَفعول، فـ (قُرآن) بمَعنَى: مَقروء، وعلى هذا فيَكون بمَعنَى: مَتلُوٍّ، ويُحتَمَل أن يَكون اسمَ فاعِل بمَعنَى: قارِئ، وهو من: قرَأَ الماء إذا جمَعَه في الحَوْض، والقُرآن إذا تَأمَّلت وجَدْت أن الوَصْفين يَنطَبِقان عليه، فهو مَتلُوٌّ وجامِع.
ولهذا قال العُلَماء ﵏ في عِلْم أُصول التَّفسير: إنه يَصِحُّ أن يَكون بمَعنى اسمِ الفاعِل، ويَصِحُّ أن يَكون بمَعنَى اسم المَفعول.
وقوله تعالى: ﴿عَرَبِيًّا﴾ أي: باللُّغة العرَبية التي هي لِسان محُمَّدٍ - ﷺ - ولسان القَوْم الذين بُعِث فيهم، والعربية هي أفضَلُ الأَلسُن وأَعرَبُها وأَفصَحُها وأَبيَنُها؛ ولهذا اختارها الله ﷿ لرِسالة مُحمَّدٍ ﷺ.
فإن قيل: أَليسَ في القُرآن من الكلِمات ما أصلُه أَعجميٌّ في القُرآن؟
[ ٢١٣ ]
قُلْنا: بلى فيه، ولكِنَّ هذه الأَلفاظَ التي أَصلُها غير عرَبيٍّ لمَّا نطَق بها العرَب عرَّبوها وصارت عربية؛ ولهذا لا تَخلو هذه الكلِماتُ المُعرَّبة من تَغييرٍ بعض الشيء، فلا بُدَّ أن يَكون فيها شيء من التَّغيير في الغالِب، فإذا نطَق بها العرَب واستَخدَموها وسادت في أَلسِنَتهم صارت مُستَعرَبة. إذا فهي كلِمات مُستَعرَبة من قومٍ مُستَعرِبين أيضًا؛ لأن أصل العرَب مُستَعرِبين؛ لأنهم ليسوا عربًا في الأصل، فإسماعيلُ ﵇ هو ابنُ إبراهيمَ ﵇، وليس لُغتُه العَربيةَ، لكن لمَّا جاء عرَب جُرْهم إلى أُمِّ إسماعيلَ ﵇ ونزَلوا عندها صار عربيًّا، واستَمَرَّتِ العُروبة إلى يومنا هذا. ودليل هذا أيهما أَفضَلُ، رسالةُ محُمَّد ﵊ وأُمَّته أو الرِّسالات الأُخرى وأُمَّتهم؟
الجَوابُ: رِسالة النبيِّ - ﷺ -: إِذَن: ليس هناك شَكٌّ؛ ولهذا ورَدَ في حديث، لكِنْ فيه نظَر: أن اللغة العربية لُغة أهل الجَنَّة.
وكون الله تعالى اختار هذه الرِّسالةَ العظيمة في اللغة العربية يَكفِي؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، فصار هذا المكانُ صالِحًا لهذه الرِّسالةِ العَظيمة؛ لأنه عظيم؛ ومَعلوم أن البيان لو جاء بغير اللغة العربية ما أَبانَ، لكن كونه اختار أن يَكون في هؤلاءِ العرَبِ، وبِلُغتهم فهذا دليل على فَضْلهم.
فإذا قال قائِل: إن الرسول ﵊ خاصٌّ بالعرَب؟
قُلْنا: نعَمْ، هو بُعِث في الأُمِّيِّين، لكن لجميع الناس كما لو أن أحَدًا صار في الشرق أو في الغرب وهو أميرٌ على جميع المَنطِقة على جميع القارَّة التي هو فيها، فهذا مُحمَّد ﵊ بُعِث في هؤلاء القومِ، لكن إلى جميع الناس، ومَعلوم أنه لا بُدَّ أن يُبعَث في قوم، فافْرِضْ أنه بُعِث في العجَم وهو رسول إلى الناس فهو نفس الشيء.
[ ٢١٤ ]
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ هذا الوَصفُ سَلبي وليس ثُبوتيًّا، واعلَمْ أنه لا يُوجَد في أوصاف القُرآن ما هو سَلْبيٌّ مَحض؛ لأن السَّلبيَّ المَحْض ليس فيه مَدْح، بل كل شيءٍ وُصِف به القرآن على وجه النَّفيِ فإن ذلك لكمال ضِدَّه؛ ولا بُدَّ أن يَتضَمَّن الكَمال أيضًا في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] لم يَلِد ولم يُولَد؛ لكَمال وحدانِيَّته.
فإذا قال تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ أي: لكَمال استِقامته، بَلْ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فالقُرآن الكريم يَهدي للتي هي أَقومُ في أمور الدِّين وفي أمور الدُّنيا على وجهٍ ليس في اعوِجاج بوَجهٍ من الوُجوه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي: لأَجْل أن يَتَّقوا، فبيَّن الله تعالى لنا بهذا القُرآنِ، وجعَله غيرَ ذي عِوَج من أَجْل تَقواه ﷿.