* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢].
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ﴾: (مَنْ) هذه استِفْهامية، وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾: (إِذْ) ظَرْفٌ بمَعنى: حين؛ والاستِفهام في قوله: ﴿أَلَيْسَ﴾ للتَّقرير.
يَقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ هذا الاستِفْهام هنا بمَعنَى النفيِ، أي: لا أحَدَ أَظلَمُ ممَّن كذَب على الله تعالى.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿فَمَنْ﴾ أي لا أَحَدَ] وتَحويل المُفَسِّر ﵀ الاستِفهامَ إلى نفيٍ يُفيد أن مَعنَى الاستِفْهام النفيُ، والمَعنَى: لا أحَدَ أَظلَمُ فلا أحَدَ ممَّن كذَب على الله تعالى، أي: قال عليه الكذِب.
قال المُفَسِّر ﵀: [بنِسْبة الشَريك والولَد إليه] وهذا على سَبيل التَّمثيل لا الحَصْر، فمَن قال: إن لله ولَدًا فقَد كذَب على الله تعالى، ومَن قال: إن لله تعالى شَريكًا. فقد كذَب على الله تعالى؛ لأن الله تعالى لا يُوصَف بهذه الصِّفاتِ التي وصَفوه بها، ومَن فعَل ذلك فقد كذَب على الله تعالى، ومَن قال: إن الله مُماثِلٌ لخَلْقه. فقد كذَب على الله تعالى، ومَن قال: إن الله حَرَّم السائِبة والوَصيلة والحامِ. فقد كذَب على الله تعالى.
[ ٢٣٠ ]
المُهِمُّ: أن ذِكْر المُفَسِّر ﵀ لهذين الأَمْرين فقَطِ المرادُ به التَّمثيلُ لا الحصرُ، فالكذِب على الله تعالى كثير، وبعضُها أشَدُّ من بعض.
وقوله تعالى: ﴿كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ أيِ: افتَرى عليه الكذِب، إمَّا بنِسْبة الشريك إليه، أو بأنه حرَّم شيئًا ولم يُحرِّمه، أو أحَلَّ شيئًا ولم يُحِلَّه، أو أَوجَب شيئًا ولم يُوجِبه، أو عطَّل صِفةً من صِفاته أو أَثبَت له ما لم يَصِفْ به نَفْسه، أو غير ذلك ممَّا يَكون فيه الكذِب على الله تعالى، فلا أحَدَ أَظلَمُ ممَّن كذَب على الله تعالى، والكذِب على الله تعالى ليس كالكذِب على البَشَر، والكذِب على الرسول - ﷺ - ليس كالكذِب على غيره من البشَر، قال النبيُّ - ﷺ -: "إِنَّ كذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ مَنْ كذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١).
قال ﵀: [﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ بالقُرآن ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾]، ولا شَكَّ أن القرآن صِدْق، بل إنه صِدْقٌ وعَدْل كما قال ﷾: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]، فهو باعتِبار الأخبار صِدْق، وباعتِبار الأحكام عَدْل، لكن المَسأَلة أعَمُّ ممَّا قال المُفَسِّر ﵀؛ فقوله تعالى: ﴿بِالصِّدْقِ﴾ أي: بما كان صادِقًا سواءٌ في القرآن أو في السُّنَّة، فإنه داخِلٌ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ فجَمَع بين الأَمْرين (كذَّب بالصِّدْق) أي: نسَب الصِّدقَ إلى الكَذِب فقال: هذا كذِبٌ. ومن ذلك: تَكذيب قُريشٍ للرسول - ﷺ - حيث قالوا: إنه ساحِرٌ كذَّاب.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، رقم (١٢٩١)، ومسلم في مقدمة صحيحه، باب تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ -، رقم (٤)، من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -.
[ ٢٣١ ]
وقوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ يَعنِي: إذ أَتاه، وليس شيئًا مَنقولًا له، بل هو قد أَتاه مُباشَرةً وأُخبِر به على لِسان الصادِق، فيُكذِّب به، فلو أن أحَدًا حدَّثَنا عن شيخه، وشيخُه عن شيخِه، وشيخُه عن شيخِه، حتى وصَل إلى الرسول - ﷺ - فهل يُمكِن أن نُكذِّب هذا إذا كان في أحَد الرواة من هو مُتَّهَم بالكذِب؟
الجَوابُ: نعَمْ يُمكِن، لكن إذا جاءَنا الخبَر من الرسول مُباشَرة فإن تَكذيبه كُفْر؛ ولهذا لو أن أحَدًا من الناس كذَّب حديثًا في أحدِ كُتُب الحديث وقُلْنا له: لمَ كذَّبْت؟ هل عندك شَكٌّ في أن الرسول - ﷺ - قاله؟ قال: لا شَكَّ عِندي أنه قاله، لكنه كذِب؛ فنَقول: هذا كافِرٌ؛ لأن الصِّدْق جاء بإِقْراره على نَفْسه، أمَّا لو قال: هذا كذِب لأن أحَدَ الرُّواة كاذِب أو كذَّاب فأنا أُنكِره لهذا. فلا يَكفُر؛ بل قد يَكون هذا هو الواجِبَ عليه إذا كان هذا مُؤدَّى اجتِهاده، ففائِدة قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَهُ﴾ أنه لا واسِطةَ بينَه وبين مَن جاء بالصِّدْق حتى يُقال: لعلَّ له عُذرًا وأنت تَلوم؛ فليس هناك واسِطة.
ثُمَّ قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ هذا الاستِفهامُ للتَّقرير، والغالِب: أن هَمزة الاستِفهام إذا دخَلت على ما يُفيد النفيَ الغالِبُ أن تَكون للتَّقرير، وجوابُها يَكون بالإثبات بلَفْظة (بلَى) مِثْل قوله ﷾: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]، فالاستِفْهام هنا للتَّقرير، ومَعناه: قد شرَحْنا لك صَدْرك، ومثله قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ [التغابن: ٥]، والمَعنَى: قد أَتاكُم، وأَمثِلة ذلك في القُرآن كثيرةٌ.
وكلِمة الكافِرين في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ إظهار في مَقام الإِضْمار، وكان مُقتَضى السِّياق أن يَقول: ألَيْسَ في جَهنَّمَ مَثوًى له، والإظهار
[ ٢٣٢ ]
في مَقام الإِضْمار له فَوائِدُ ذكَرْناها سابِقًا منها:
١ - العُموم، وهذا يَعنِي: أن مَثوًى له ولغَيْره من الكافِرين.
٢ - تَسجيل الوَصْف على هَؤلاء بأنهم كُفَّار، يَعنِي: إثبات أن هؤلاءِ كفَّار.
٣ - إفادة التَّعليل؛ لأنه لو قال: أَليْس في جَهنَّمَ مَثوًى له. لم نَستَفِد ما هي العِلَّةُ في أن مَثواه جهنَّمَ، لكن إذا قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ عرَفْنا أن العِلَّة كُفْرهم؛ ففيه بَيان العِلَّة.
فصار الإظهار في مَوضِع الإضمار له ثلاث فوائِدَ هنا.
وكلِمة: ﴿جَهَنَّمَ﴾ قيل: إنها من الأسماء المُعرَّبة، وأَصلُها في اللغة الفارِسية (كَهنام). وقيل: إنها اسْمٌ عرَبيٌّ، وأنها مَأخوذة من الجهمة، يَعنِي: الظُّلْمة والنار؛ لبُعْد قَعْرها - أَعاذَني الله تعالى وإيَّاكم منها -، سَوداءُ مُظلِمة، فالله تعالى أعلَمُ، سواءٌ هذا أو هذا.
المُهِمُّ: أنها تُستَعمَل في لغة العرَب للنار العَظيمة المُسوَدَّة.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾: بَلى] وهذا هو جوابُ ﴿أَلَيْسَ﴾ وأَشباهِها، وحاصِلُه: أنه إذا دخَلَت همزة الاستِفْهام على ما يُفيد النفيَ فجوابُ التَّقرير (بلَى)، ولو قُلْت: (نَعَمْ) لكان نَفيًا، فإذا قلت: ألَمْ يَقُمْ زَيدٌ؟ فقال المُخاطَب: (نعَمْ)؛ يَعنِي: لم يَقُم، وإذا قُلت: أَلَمْ يَقُم زَيدٌ؟ فقال المُخاطَب: (بلى) أي: قد قامَ؛ ولهذا يُروَى عن ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قال: "لو قالوا: (نعَمْ) لكَفَروا"؛ لأنهم إذا قالوا: (نعَمْ) يَعنِي: لسْتَ ربَّنا، هذا هو المَشهور في اللُّغة العربية، لكن ربما يَأتي الجوابُ بـ (نَعَمْ)
[ ٢٣٣ ]
مُرادًا به الإثباتُ، ومنه قول الشاعِر:
أَلَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو وَإِيَّانَا فَذَاكَ لنَا تَدَانِي
نَعَمْ وَتَرَى الهلَالَ كَمَا أَرَاهُ وَيَعْلُوهَا النَّهَارُ كَمَا عَلَانِي (١)
لو قال قائِل: لعَلَّ هذه ضرورةٌ؟
قُلنا: لا، لأنه لو أَتَى بـ (بلى) بدَلَ (نعَمِ) استَقام البيتُ، فإن الشاعِر لو قال: بلَى وَترَى الهِلال كما أَراه. استَقام البيتُ.
وعلى كل حال: المُفَسِّر ﵀ أَجاب بـ (بَلى) أي: لإِثْبات ما ذكَر أن في جَهَنَّم مَثوًى للكافِرين.