* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣].
قوله تعالى: (الذي) مُبتَدأ، وخبَرُه جملة: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فتَضمَّنَت هذه الجُملةُ جُمْلتين جملةً كُبرى وجملةً صُغرى؛ فالجُملة الكُبرى هي المُتضَمِّنة للمُبتَدَأ والخبَر، والصُّغرى هي الخبَر المُكوَّن من مُبتَدَأ وخبَر، فالجُمْلة الصُّغرى هي ما وقَعَت خبَرًا، وتُسمَّى: جملةً صُغرى؛ لأنها في مَقام المُفرَد والجُملة الكبرى هي المُكوَّنة من مُبتَدَأ وخبَر أو فِعْلٍ ومَعموله.
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ فيه شيء من الإشكال يَتَبادَر إلى الذِّهْن وهو أَخبَر عن الذي، وهو اسمٌ مُفرَد بكلِمة دالَّة على الجَمْع وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ ولم يَقُل: أُولئك هو المُتَّقي؟ ووجهُ ذلك: أن (الذي) اسمٌ مَوْصولٌ والاسمُ المَوْصول يُفيد العُموم حتى وإن كان مُفرَدًا فإنه يُفيد العُموم؛ ولهذا صحَّ الإخبار عنه بالجَمْع مع كونه مُفرَدًا.
يَقول الله ﷿: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾: (الذي جاءَ بالصِّدْق) عامٌّ يَشمَل: كل مَن جاء بالصِّدْق، من الرسُل عليهم الصلاة والسلام والأنبياء والصادِقين من غيرهم.
[ ٢٤١ ]
ومن ذلك مثَلًا: كَعبُ بنُ مالِك - ﵁ -، فقد جاء بالصِّدْق حين تَخلَّف عن غزوة تَبوكَ، وأَخبَر بالصِّدْق (١) وأمَرَنا الله ﷿ أن نَكون معهم لمَّا ذكَر قِصَّتهم قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
وقوله: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي: صدَّق بالصِّدق الذي قامَتِ البَيِّنة على صِدْقه، والصِّدْق هو مُطابَقة الواقِع للخبَر، والكذِب مخُالَفته، يَعنِي: مَن أَخبَر بما يُطابِق الواقِع فهو صادِق، ومَن أَخبَر بما يُخالِف الواقِع فهو كاذِب.
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ أي بما قامَتِ البَيَّنة على صِدْقه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ يَعنِي: الذين اتَّقَوُا الله ﷿ فلم يَقولوا كذِبًا واتَّقَوا الله ﷿ ولم يَردُّوا صِدْقًا.
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ وهو النبيُّ - ﷺ -]، وهذا تَخصيصٌ للعُموم بما لا دَليلَ عليه، والذي يَنبَغي إذا جاء القُرآن عامًّا إبقاؤُه على عُمومه، بل هو الواجِب أن يَبقَى على عُمومه إلَّا بدَليل، وهنا ليس هناك دَليل يَجعَل هذا خاصًّا بالنبيِّ ﷺ.
فالواجِبُ: أن نَجعَله عامًّا؛ لأن حَمْله على الخاصِّ بلا دَليلٍ قُصورٌ في مَدلول القُرآن.
إِذَنْ: يَشمَل النبيَّ - ﷺ - وغيرَه.
وقوله تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [وهُمُ المُؤمِنون] هذا أيضًا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، رقم (٤٤١٨)، ومسلم: كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه، رقم (٢٧٦٩)، من حديث كعب بن مالك - ﵁ -.
[ ٢٤٢ ]
خطَأ؛ لأننا لو فسَّرْنا الآية بما فسَّرها به المُفَسِّر ﵀ لزِم من ذلك تَشتيت في الضمائِر، وعدَم انسِجام الكلام؛ فقوله ﷾: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هذه مَعطوفة على الجُملة التي هي صِلة المَوْصول، وإذا كانت مَعطوفةً على الجُمْلة التي هي صِلة المَوْصول لزِم أن يَكون المُتَّصِف بها المَوْصول ما دامَت مَعطوفة على الصِّلة فهي من جُملة الصِّلة، والصِّلة وَصْفٌ للمَوْصول.
والمُفَسِّر ﵀ وعفا عنه شتَّتَ الضمائِر، فجعَل الضمير الأوَّل للرسول - ﷺ -، والضميرَ الثانيَ للمُؤمِنين، والحَقُّ أنهما يَرجِعان إلى شيء واحِد وهو المَوْصول؛ لأن صِلة المَوْصول صِفةٌ له، والمعطوف على الصِّلة صِفةٌ له أيضًا.
إِذَنْ: ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ يَشمَل كلَّ أحَد، حتى النبيُّ ﵊ صدَّق بأنه رسول الله - ﷺ -، فكان يَقول أحيانًا: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ" (١)، فقد صدَّق بأنه رسول الله - ﷺ -، وأن ما أُنزِل إليه من ربِّه هو الحقُّ، وأوَّلُ مَن يَدخُل في هذه الآيةِ بعد الرسول - ﷺ - أبو بكرٍ الصَّدِّيق - ﵁ -، فإن أبا بَكرٍ الصَّدِّيق - ﵁ - جاء بالصِّدْق - ﵁ -، وصَدَّق به حتى إنه في أَضيقِ حالٍ للرسول ﵊ ليلةَ الإسراء حينما أَشاعَت قريشٌ بأن الرسول ﵊ كذَب وصار يُخرِّف ويَقول ما لا يُمكِن، فلمَّا بلَغه الخبَرُ قال: "إن كان قد قال ذلك فهو صادِقٌ"، فمِن ذلك اليومِ سُمِّيَ بـ (الصَّدِّيق) (٢) - ﵁ -.
قال المُفَسِّر ﵀: [فهُمُ المُؤمِنون، فالذي بمَعنَى الذين]، يَعنِي: أنها اسمٌ مُفرَد، لكن بمَعنَى الجَمْع؛ لكونها دالَّة على العُموم.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة، رقم (٢٧)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٩).
[ ٢٤٣ ]
وقوله ﵀: [﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ] ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ أتَى باسْمِ الإشارة للبَعيد لعُلوِّ مَرتَبتهم ولم يَقُل: هؤلاءِ. بل قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ و﴿أُولَئِكَ﴾ يُشار بها للبَعيد، وإنما أُشير لها إشارة البَعيد مع دُنوِّ التَّحدُّث عنهم؛ لعُلوِّ مَرتَبتهم.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿الْمُتَّقُونَ﴾ الشِّرْكَ] من أَغرَب ما يَكون؛ لأن الحديث الآنَ عن الصِّدْق والتَّصديق بالصِّدْق، فأين الشِّرْك؟ فإنه لم يَتَقدَّم له ذِكْر، ولو أَرَدْنا أن نُخصِّص لقُلْنا: أُولئِك هُمُ المُتَّقون الكذِبَ والتَّكذيبَ بالحقِّ، مع أن الذي يَدُلُّ عليه الدليلُ: أن المَعنَى: أُولئك هُمُ المُتَّقون اللهَ تعالى، وذلك لأن التَّقوى إذا أُطلِقَت فإنما يُراد بها تَقوى الله تعالى، أمَّا إذا قُيِّدت فهي حَسبما قُيِّدت به، فقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] هذا لليومِ، وقوله ﷾: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] هذا للنَّار.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا لله تعالى؛ وعند الإِطْلاق لله تعالى؛ لأن الله تعالى أحقُّ أن يُتَّقى ﷿؛ فهنا نَقول: (﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الله)؛ ولهذا جاؤُوا بالصِّدْق وصدَّقوا به تَقوَى لله ﷿.