* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: ٣٧].
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ أي: مَن يُقدِّر اللهُّ تعالى هِدايته فما له من مُضِلٍّ، ولا أحَدَ يَستَطيع أن يُضِلَّه مهما كثُرَتِ الشُّبُهاتُ وكثُرَتِ الشَّهَواتُ، فإذا قدَّر الله تعالى على العَبْد الهِداية فلن يُضِلَّه لا شهوةٌ ولا شُبهةٌ؛ لأنه عند الشَّهوة يُغلِّب العَقل فيَمتَنِع منها، وعند الشُّبهة يُغلِّب العِلْم فيَهتَدِي به منها، فمَن يَهدِه الله تعالى فما له من مُضِلًّ.
وفي هذه الجُملةِ من تَشجيع الإنسان على الاستِمرار في الهِداية ما هو ظاهِر؛ لأن الله تعالى هو الذي هَداه ولا أحدَ يَستَطيع أن يُضِلَّه؛ وفيها اللُّجوء لله ﷿ في طلَب الِهداية منه والاستِمرار عليها.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ الجَوابُ: بلَى، وقوله تعالى: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ هذه خبَر (ليس) دخَلَت عليها الباء الزائِدةُ لَفْظًا الزائِدةُ مَعنًى؛ لأنها تُفيد تَوكيد العُموم في النَّفي إذ إن النفيَ يُفيد العُموم إذا أَتَى بعده اسمٌ نَكِرة، لكن إذا دخَلَتِ الباء فإن حُروف الزيادة من أَحرُف التَّوْكيد، كما ذكَر ذلك عُلماء البلاغة.
[ ٢٦٢ ]
وقوله تعالى: ﴿بِعَزِيزٍ﴾ قال المُفسِّرون لأَسماء الله تعالى الحُسنى: (العَزيز) له ثلاثة مَعانٍ:
المَعنَى الأوَّل: عِزَّة القَدْر.
والمَعنَى الثاني: عِزَّة القَهْر.
والمَعنَى الثالِث: عِزَّة الامتِناع.
أمَّا عِزَّة القَدْر فمَعناها: أن الله ذو قَدْرٍ عظيم وشرَفٍ كبير، لا أحَدَ يُماثِله، ولا أحَدَ يُساوِيه أو يُقارِبه.
وأمَّا عِزَّة القَهْر فمَعناها: أن الله تعالى قاهِرٌ لكل شيء، غالِبٌ لكل شيء.
وأمَّا عِزَّة الامتِناع فمَعناها: أن الله تعالى يَمتَنِع عليه كلُّ عَيْبٍ ونَقْص.
وهذا معروفٌ في اللُّغة العربية، فالمَعنَى الثاني الذي هو الغلَبة قال فيه الشاعِر:
أَيْنَ المَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ وَالْأَشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ (١)
وأمَّا الأوَّل الذي هو عِزَّة القَدْر فيُقال: هذا عزيزٌ أي: نادِر لا يُوجَد؛ لشرَفه وكرَمه.
وأمَّا الثالِث فقولهم: أرضٌ عَزاز. أي: قوِيةٌ صُلْبة يَمتَنِع، أو تَمتَنِع أن تَحفُرها المَعاوِل.
فالله ﷿ عزيزٌ بهذه المَعاني الثلاثة.
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾: ﴿ذِي﴾ بمَعنَى: صاحِب، وانتِقام
_________________
(١) نسبه ابن هشام في السيرة (١/ ٥٣) لنفيل بن حبيب.
[ ٢٦٣ ]
نكِرة، والنَّكِرة في سِياق الإثبات لا تُفيد العُموم، ولكنها هنا في سِياق ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ أي: صاحِب انتِقام، فكلَّما كانت الحِكْمة في الانتِقام انتَقَمَ.
وتَأمَّل قوله تعالى: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ ولم يَقُل: مُنتَقِم؛ لأنه ليس من أَسماء الله تعالى المُنتَقِم ولم تَأتِ المُنتَقِم في أسماء الله تعالى في حديثٍ صحيح، وإنما جاءَت باسْمِ الفاعِل مُقيَّدًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢]، ولم يَقُل: إنا مُنتَقِمون. وقال: ﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ أي: صاحِب انتِقام في مَوضِعه، فالمُنتَقِم ليس من أسماء الله تعالى حتى وإن قُرِنت بالعَفوِ خِلافًا لما ذهَب إليه بعض العُلَماء ﵏ من أنه إذا قُرِنت بالعَفو فلا بأسَ، بل نَقول: المُنتَقِم ليس من أسماء الله تعالى لا مَقرونًا بالعَفوِ ولا مُنفرِدًا عنه، لكنه يُوصَف بالانتِقام مُقيَّدًا ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، ويُوصَف بأن الانتِقام يَصدُر مِنه لا أنه مُنتَقِم؛ لقوله تعالى: ﴿بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾.
فإن قال قائِل: هل يَجوز أن يَكون المُنتَقِم من أسماء الله تعالى المُقيَّدة؟
قُلنا: لا، لأن الله تعالى قيَّد الانتِقام لمَّا وصَف نفسَه باسمِ الفاعِل قيَّده، وهنا نَقول:
أوَّلًا: إن أسماء الله تعالى كلُّها مُتَضمِّنة لصِفات، فكلُّ اسمٍ فهو مُتضَمِّن لصِفة، أو أكثَرَ من صِفة، وليس كلُّ صِفة تَتَضمَّن اسمًا.
إِذَنِ: الصِّفات صارت أَوسَعَ من الأسماء.
ثانيًا: الصِّفاتُ منها ما وصَفَ الله تعالى بها نَفْسه فهذا لا شَكَّ في أنه جائِز، ولكننا نَصِفُ الله تعالى به على حسَب ما وصَفَ به نَفْسه؛ فقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧] هنا لا نَقول: إن الله تعالى مُنتَقِم، بل نَقول: ذو انتِقامٍ
[ ٢٦٤ ]
أَيْ: لَه انتِقامٌ، وفَرْقٌ بين أن أُسمِّيَ الرجُل بالنَّجَّار؛ لأن مِهْنته النِّجارة، أو أَقول: له نِجَارةٌ. يَعنِي: يَنجُر إن دعَتِ الحاجة إلى ذلك؛ فيُوصَف الله تعالى بما وصَفَ الله تعالى به نَفْسه من الصِّفات؛ على حسَب ما يَصِف به نَفْسه، وما لم يَصِف به نفسه إن كان دالًّا على مَعنًى يَليق بالله جاز أن يُخبَر به عن الله تعالى، وإن كان دالًّا على مَعنًى لا يَليق بالله تعالى حرُم أن يُوصَف به الله تعالى لا خبَرًا ولا وَصْفًا لازِمًا.
وهذه مَسأَلة مُهِمَّة، يَعنِي: ما لا يَليق بالله تعالى لا يَجوز أن نَصِفه به لا على سَبيل الفِعْل ولا على سَبيل الوَصْف اللازِم، وما كان لا يُخالِف ما يَليق بالله تعالى جاز أن نُخبر به عنه، وقد ذكَرَ شيخُ الإسلام ﵀ هذا التَّقسيمَ في كِتاب (الفتاوى) في قِسْمَ التَّوْحيد.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالِب على أَمْره].
وتَفسيره العَزيزَ بالغالِب على الأَمْر يُعتَبَر قاصِرًا؛ لأن العِزَّة لها ثَلاثة مَعانٍ كما شرَحْنا، قال ﵀: [﴿ذِي انْتِقَامٍ﴾ من أَعدائه؟ بلَى] والانتِقام أَخْذ المُجرِم بجَريمته، وقوله تعالى: (بلَى) هذا جَواب الاستِفْهام في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾.