* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر: ٤٤].
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾: ﴿قُلْ﴾ الخِطاب للرسول - ﷺ -، أو لكل مَن يَتأتَّى خِطابه ويَصِحُّ، وهذا الأخيرُ أعَمُّ من الأوَّل؛ لأنه يَشمَل النبيَّ - ﷺ - وغيره؛ فقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أيها المُخاطَبُ - الأهل للخِطاب -: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ جُملة خبَرية تُفيد الحَصْر، وطريقه أن الخبَر تَقدَّم وحقُّه التأخيرُ، وكل تَقديمٍ لما حَقُّه التأخير يُفيد الحَصْر، والمَعنَى: لله الشَّفاعة لا لغيرِه فهو الذي يَملِكها، واللَّام في قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾ للمِلْك يَعنِي: هو الذي يَملِك الشفاعة، أي: يَملِك أن يَأذَن فيها.
وقد بيَّنَ الله ﷾ أن للشَّفاعة ثلاثةَ شُروط:
الشَّرْط الأوَّل: إِذْنه؛ لقول الله ﵎: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
الشَّرْط الثاني: رِضاه عن الشافِع؛ لقول الله ﵎: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨].
الشَّرْط الثالِث: رِضاه عن المَشفوع له؛ لقوله ﵎: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]،
[ ٣٢٠ ]
وهذه تَكون أيضًا دليلًا على أنه يُشتَرَط رِضا الله تعالى عن الشافِع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨].
والآنَ لو أَقول: يا رسولَ الله، اشفَعْ لي عند الله. هل يَجوز؟
والجَوابُ: لا يَجوز؛ لأنه لا يَملِك ذلك، فهو لا يَشفَع لا لك ولا لغَيْرك إلَّا بإِذْن الله تعالى، ومن ذلك ما يَفعَله بعض الإخوان المُجاهِدين يَقول الواحِد منهم للثاني: اشفَعْ لي عند الله؛ لأن المُجاهِد له شفاعة إذا قُتِل شهيدًا، فتَجِد بعض أقاربه أو بعض أصحابه يَقول: اشفَعْ لي عِند الله! وهذا لا يَجوز؛ لأنه سأَله ما لا يَملِكه، فإنه إذا قال: اشفَعْ لي! نَقول: الشفاعة لمَن؟ الجَوابُ: لله تعالى، إِذَنْ قُلْ له: اللهُمَّ شفِّعْه فيِّ. ولا بأسَ في ذلك، فيَنبَغي عليك أن تَحرِص على الشفاعة ممَّن يَملِك الشفاعة، أمَّا ممَّن لا يَملِك لا تَصِحَّ، فهذا سُؤالٌ في غير محَلِّه، فالشَّفاعة إذَنْ: لله، وإذا كانت لله فلا تَسأَل إلَّا الله.
وقوله ﷾: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ كلمة ﴿جَمِيعًا﴾ إعرابها حال من الشَّفاعة، لكن ما مَعنَى الجَمْع هنا؟ وهل الشَّفاعة مُتعدِّدة؟
الجَوابُ: نَعمِ، الشفاعة مُتعدِّدة؛ شفاعة في الدنيا، وشفاعة في الآخِرة، وشفاعة في جَلْب نَفْع، وشفاعة في دَفْع ضرَر، فلا شَفاعةَ إلَّا لله ﷿، فوَكْل الشفاعات تَكون لله تعالى، وهناك شَفاعة في الدنيا كأَنْ يَدعوَ الإنسان لشَخْص إذا دعا الإنسان لشَخْص فهذه شَفاعة قال النبيُّ ﵊: "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ" (١)، فدُعاء الإنسان
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الجنائز، باب من صلى عليه أربعون شفعوا فيه، رقم (٩٤٨)، من حديث ابن عباس - ﵄ -.
[ ٣٢١ ]
لأَخيه شفاعةٌ له عند الله تعالى، وهذه هي الشفاعة في الدُّنيا، والشفاعة في الآخِرة مَعروفة وهي الشَّفاعة العُظمى، وهذه لرسول الله - ﷺ - ولا تَكون لأَحَدٍ سِواهُ.
فما هي الشَّفاعة العُظمى؟
الجَوابُ: هي أن الناس في ذلك المَحشَرِ؛ كما جاء في النُّصوص: حُفاة عُراة غُرل شاخِصةٌ أبصارهم أَفئِدتُهم هواءٌ، الشمس تَدنو منهم قَدْر مِيل، والعرَق يُلجِم بعضهم، لا يَلوِي أحَدٌ على أحَد، ولا يَستَغيث أحَدٌ بأَحَد، قال الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، فيَلحَقهم من الهَمِّ والكَرْب ما لا يُطيقون، فيَقول بعضُهم لبعض: انظُروا مَن يَشفَع لنا عند الله تعالى لنَستَريح من هذا المَوقِفِ راحة، فيَذهَبون إلى آدَمَ، ثُمَّ إلى نوح ﵇، ثُم إلى إبراهيمَ ﵇، ثُمَّ إلى مُوسى ﵇، ثُمَّ إلى عِيسى ﵇ ولا يَحصُلون على شيء، ثُمَّ يَأتون إلى مُحمَّدٍ - ﷺ - يَطلُبون منه الشفاعة فلا يَشفَع، فيَستَأذِن من الله تعالى أوَّلًا؛ لأن الملك عظيم والسُّلطان تامٌّ، فيَسأَل الله تعالى أن يَأذَن له بالشَّفاعة، فيَأذَن له، ثُمَّ يَسجُد ﵊ تحت العَرْش سُجودًا طويلًا طويلًا طويلًا؛ يَفتَح الله تعالى عليه فيه من المَحامِد ما لم يَكُن يَعرِفه من قبلُ، ثُمَّ يَشفَع إلى الله تعالى أن يَقضِيَ بين الخَلْق ويُريحَهم من هذا المَوْقفِ، فيَقبَل الله تعالى شَفاعته (١).
وهذه الشَّفاعةُ تُسمَّى الشفاعة العُظمي؛ لعُمومها وشِدَّة الحاجة إليها، ولا تَكون إلَّا للرسول - ﷺ - كما قال الله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وسُمِّيَت كذلك؛ لأن هذا المَقامَ يَحمَده فيه الأوَّلون والآخِرون الذين
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب تفسير القرآن، باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، رقم (٤٧١٢)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم (١٩٤)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣٢٢ ]
من أُمَّته والذين من غير أُمَّته، وفي هذا اليومِ شَفاعة فيمَن دخَل النار أن يَخرُج منها، وفيمَن استَحَقَّها أن لا يَدخُلها.
وهذه الشفاعةُ نَوعان: شَفاعة فيمَن دخَلها أن يَخرُج منها، وفيمَنِ استَحَقَّها أن لا يَدخُلها، وهذه عامَّة للرُّسُل، والصِّدِّيقين، والشُّهَداء، والصالِحين، والمَلائِكة، والبشَر عامة، لكن يُنكِرها طائِفتان من طوائف الضَّلال من هذه الأُمَّةِ وهُما المُعتَزِلة والخَوارِج؛ لأنهم يَقولون: إن فاعِل الكبيرة مُخلَّدٌ في النار، مَحكومٌ عليه بذلك قَضاءً وقدَرًا، وإذا كان كذلك فلن يَتَخلَّف هذا القضاءُ، ولا يُمكِن أن يَخرُجوا من النار.
والشفاعة الرابِعة في دُخول الجَنَّة، إذا عبَر الناس الصِّراط - أَسأَل الله تعالى أن يَجعَلنا وإيَّاكم ممَّن يَعبُره سَليمًا - إذا عبَروا الصِّراط لا يَدخُلون الجَنَّة مُباشَرة، بل يُوقَفون عند قَنْطرة وهي طرَف الجِسْر الذي على النار أو غيرها - الله تعالى أَعلَمُ - فيُقتَصُّ لبعضهم من بعض، وهذا قِصاص تَنْقية، والقِصاص السابِق في عَرَصات القِيامة قِصاص تَخْلية، يَعنِي: في عرَصات القِيامة يُقتَصُّ للمَظلوم من الظالِم، أمَّا هذا فهو قِصاص تَنْقية، يُنقَّوْن حتى يَزول ما في قلوبهم من غِلٍّ وحِقْد؛ لأنه ليس القضاء للشَّخْص بحَقِّه مُزيلًا للحِقد والبَغْضاء.
نعَمْ، ربَّما قد أَقول: أنا اعتُدِيَ عليَّ وأَخَذْت حَقِّي الآنَ منه، لكن بقِيَ أثَرُ هذا العُدوانِ في قَلْبي، هذا مَوْجود ولا أحَدَ يُنكِره، لكن المُوفَّق يَسعَى في زواله، وإنما لا بُدَّ أن يَبقَى أثَرُ الجُرْح حتى ولو بَرِئ، وهل إذا بَرِئ الجُرْح يَعود الشيء كما كان؟ بل يَصير فيه بُقَع، فلا بُدَّ أن يُؤثِّر العُدوان، ولوِ اقتَصَّ الإنسان لنَفْسه من قلب الإنسان، فهُمْ إذا اقتُصَّ لبعضهم من بعض في يوم القيامة في عرَصات القيامة وعبَروا الصِّراط يَحتاجون إلى تَنْقية تُنقَّى وتُصفَّى قلوبهم حتى يَدخُلوا الجَنَّة - وما في قُلوبهم
[ ٣٢٣ ]
من غِلٍّ - على أكمَل وَجْه.
فإذا اقتُصَّ لبعضهم من بعض أيضًا لا يَدخُلون الجَنَّة مُباشَرة، بل يَجِدون الجَنَّة مُغلَّقة الأبواب، فيَطلُبون مَن يَشفَع لهم، فيُشفَّع النبيُّ - ﷺ - خاصَّة، وهذه خاصَّة بالرسول - ﷺ - لكن ليسَتْ عُظمى؛ لأنها لأهل الجنَّة خاصَّة فيَشفَع أن تَفتَح أبواب الجَنَّة، فيُؤذَن له فتُفتَح أبواب الجَنَّة.
وأوَّل مَن يَدخُلها هو ﵊ (١)، وأوَّلُ مَن يَدخُلها من الأُمَم أُمَّته بعد الأنبياءِ ﵈ مُباشَرةً، فالنَّبيُّون أوَّلًا، ثُمَّ الأُمَم، يَبدَأ بقائِد النَّبيِّين محمد - ﷺ -، ثُم قائِد الأُمَمِ هذه الأُمَّةُ؛ لأن هذه الأُمَّةَ - ولله تعالى الحمد - مُتأخِّرة في الزمن في الدنيا، لكنها سابِقة في كل المَواقِف في الآخِرة، فقد قال النبيُّ ﵊: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢).
ففي كل العرَصات - ولله تعالى الحمد - نحن السابِقون في العُبور على الصِّراط في القَضاء بين الناس في عرَصات القِيامة قبل دُخول الجنَّة همُ السابِقون يوم القيامة في كل شيء، فيَدخُلون الجنَّة، وتَأمَّل هذا في كِتاب الله ﷿ قال الله تعالى في أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧١]، وهم كارِهون لها من حين أن يَصِلوا إليها تُفتَّح الأبواب؛ أمَّا أهل الجنَّة فلا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: ٧٣].
فأَفاد قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ أن هناك شَيْئًا بين مَجيئهم وبين الفَتْح، ولقد
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ١٤٤)، من حديث أنس - ﵁ -.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة، رقم (٨٧٦)، ومسلم: كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة، رقم (٨٥٥)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣٢٤ ]
أَخطَأ من قال من أَهْل العِلْم ﵏: إن الواو هنا زائِدة، وإن التَّقدير: حتى إذا جاؤُوا فُتِّحت أبوابها. نَقول: سُبحانَ الله! أنتُمْ أَعلَمُ بكلام الله تعالى من الله تعالى! الله ﷿ يُفرِّق في النار يَقول: ﴿إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ﴾، وفي الجَنَّة يَقول تعالى: ﴿إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾، وأنتم تَقولون: هذه الواوُ زائِدة، وهذا خَطير.
وكذلك أَخطَأ مَن قال: الواو واوُ الثَّمانية، وادَّعى أن في اللغة واوًا تُسمَّى واوَ الثمانية، وهذه الدَّعوى باطِلة، ويَقول المُدَّعي: عندي دَليل، وهو قوله تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم: ٥]، قال: فالواو قبل كلِمة (أَبكارًا) هي واوُ الثَّمانية؛ لأن هذه ثَمانية أشياءَ مَعطوفات.
ونَقول ردًّا على مَن قال هذا: إِذَنْ فقُل: جاء زيدٌ وبَكرٌ. الواو واوُ الاثنَيْن، وخالِد واو الثلاثة وامشِ على هذا، والصواب أن الواو هنا عاطِفة، وأن المَعطوف عليه مَحذوف بَيَّنَت السُّنَّة هذا المعطوفَ عليه.
الخُلاصةُ: على هذا فتكون الشفاعة الخاصَّة بالرسول - ﷺ - ثلاثة أنواع: الشفاعة العُظمى والشَّفاعة في دُخول الجَنَّة وشَفاعته في عمِّه أبي طالِب الذي مات على الكُفْر والشِّرْك - والعِياذُ بالله - وهو في النار، لكن الله تعالى أَذِنَ لنَبيِّه أن يَشفَع فيه، فكان في ضَحضاحٍ من نار وعليه نَعلان يَغْلي منهما دِماغه، وهو أَهوَنُ أهل النار عَذابًا؛ ودَليلنا على أن الشفاعة بعَمِّه خاصَّةً به قول الرسول - ﷺ -: "لَوْلَا أَنا كانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ" (١)، لكن الدليلَ على أنه خاصٌّ به: أن هذا مخصوص بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب مناقب الأنصار، باب قصة أبي طالب، رقم (٣٨٨٣)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، رقم (٢٠٩)، من حديث العباس عم الرسول - ﷺ - ورضي الله عنه.
[ ٣٢٥ ]
إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، والله تعالى لا يَرتَضي أن يُشفَع للكافِر، فيُستَثْنى هذا، وقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وهذا مُستَثنًى إِذَنْ فهو خاصٌّ به.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ أي: هو الذي يُعطيها مَن يَشاء ويَمنَعها ممَّن يَشاء وقد بيَّنَ أن الشروط الإِذْن ورِضاه عن الشافِع ورِضاه عن المَشفوع له.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذه الجُملةُ فيها حَصْر، وهو تَقديم ما حقُّه التَّأخير، فهنا قدَّم الخبَر ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ يَعنِي: لا لغيره.
وقوله تعالى: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَشمَل مُلْك الذوات، أي: مُلْك ذات السمَوات والأرض، ومُلْك التَّصرُّف فيهما يَتصرَّف فيهما كما يَشاء فهو الذي أَوْجَدهما، وهو الذي يُمسِكهما أن تَزولا، وهو الذي يُدبِّر ما فيهما، وهو الذي يُتلِفهما ويُفنيهما عند قيام الساعة، فللهِ مُلْك السموات والأرض خَلْقًا وتَدبيرًا وتَصرُّفًا، وكل شيء يَؤول إليه ﷾، وهذه الآلِهةُ لا تَملِك شيئًا من ذلك، إِذَنْ ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مُلك الذوات والتَّصرُّف كما يَشاء.
ثُمَّ نُفصِّل فنَقول: خلَقهما أوَّلَّا وَأَمسَكهما أن تَزولا، ويَطوِي السمواتِ كطَيِّ السِّجِلِّ للكُتُب، ويَقبِض الأرَضين يوم القِيامة، فكل هذه من جُملة تَصرُّفاته في هذه المَملوكاتِ، وإذا كان له مُلك السموات والأرض فلا أحَدَ يَشفَع إلَّا بإِذْنه ولا أَحَدَ يَستَحِقُّ العِبادة إلَّا هو.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ يَعنِي: يوم القِيامة نَرجِع إلى الله ﷿ فيُحاسِبنا على حسَب أعمالنا، والله تعالى قد بيَّن لنا ووضَّح وأَقام الحُجَّة، وبيَّن أن الحسَنة بعَشْر أمثالها إلى سبعِ مِئة ضِعْف إلى أضعافٍ كثيرة، وأن السيِّئة بمِثْلها وبين
[ ٣٢٦ ]
الأشياء التي تُعتَبَر حَسَناتٍ حتى نَعمَلها، وتُعتَبَر سَيِّئاتٍ حتى نَتَجنَّبها، وحينئذٍ يَكون رُجوعنا إليه ﷿ رُجوعًا عن بَصيرة لا حُجَّةَ لنا في مُخالَفته.
فقوله ﵀: [﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ أي: هو مُختَصٌّ بها] أخَذَ المُفَسِّر ﵀ [هو مُختَصٌّ بها] من الحَصْر وهو تَقديم الخبَر [وهو مُختَصٌّ بها فلا يَشفَع أحَدٌ إلَّا بإِذْنه]، وهذا أحَدُ شَرْطَيِ الشفاعة. والثاني: رِضا الله تعالى عن الشافِع ورِضاه عن المَشفوع، قال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وقد ذكَر عُموم مِلْكه وانفِراده بالمِلْك بعد ذِكْر الشفاعة؛ لأن الشَّفاعة من المِلْك في الواقِع، فهي داخِلة في عُموم مِلْك الله تعالى للسمَوات والأرض ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ولم يُفسِّرها لوُضوحها.