* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: ٤٥].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ﴾ أي: دون آلِهَتهم ﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نفَرَت] والمَعنَى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾: (إذا ذُكِر الله) يَعنِي: أُثْنِيَ عليه بالذِّكْر والإِخْلاص، وأنه هو الربُّ المَعبود، وأن غيره لا يَستَحِقُّ العِبادة، وإذا ذُكِر على هذا الوجهِ ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ يَعنِي: نفَرَت من هذا وكرِهته؛ لأنها لا تُريد هذا، تُريد أن تَكون آلِهتها مُساوِيةً لله ﷿.
وقوله ﵀: [﴿اشْمَأَزَّتْ﴾ نَفَرَت وانقَبَضَت] فتَنفِر ولا تَقبَل الحقَّ، وتَنقَبِض ولا تَنشَرِح للحَقِّ ﴿قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ أي: لا يُقِرُّون بها، ولا يَعتَرِفون بها؛ لأنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: ٢٤]، وهم ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ ولو أنهم آمَنوا بالآخِرة لعمِلوا لها، ولو كانوا إذا ذُكِر الله تعالى وحدَه استَبْشَروا وفرِحوا.
وقوله ﵀: [﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ الأصنام] يَعنِي: إذا ذُكِر الذين
[ ٣٢٩ ]
من دونه وهي الأصنام، وأُثنِيَ عليها ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾: ﴿إِذَا﴾ هذه فُجائِيَّة أُجِيب بها الشرط؛ لأن الشَّرْط يُقرَن أحيانًا بالفاء، وأحيانًا بـ (إذا)، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم: ٣٦]، أي: فهُمْ، فجواب الشَّرْط هنا قُرِن بـ (إذا) الفُجائية؛ لأنه جُملةٌ اسمِيَّة.
وتَأمَّل قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ حيث جاءَت بالجُمْلة الاسمِيَّة إشارةً إلى دوام استِبْشارِهم وثُبوته ورُسوخه في أَنفُسهم. وجواب ﴿إِذَا﴾ في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾، هو قوله ﷾: ﴿اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾.
وجَواب قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ هو قوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وبَيْن الجُمْلتين رابِط؛ لأن القاعِدة هي إذا كانت جُملة الجواب اسمِيَّة لا بُدَّ فيها من رابِط، والرابِط هنا قوله: (إذا)، وهي الفُجائِيَّة.
ولهذا يُروَى عن النبيِّ - ﷺ - أنه قرَأَ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] تِلك الغَرانيقُ العُلا، وإنَّ شَفاعَتَهُنَّ لتُرْتَجَى. ألقاها الشَّيْطان في قِراءة النبيِّ - ﷺ -، ولم يَتلُها الرسول ﵊، لكن الشيطان أَسمَعَ قُرَيْشًا هذا القولَ، يَقولون: إنهم سجَدوا مع النبيِّ - ﷺ - لما أَنهَى السورة وسجَد؛ لأنهم قالوا: الآنَ رجَع إلينا، أو على الأقَلِّ داهَنَنا؛ لأنه أَثنَى على أصنامنا فسجَدوا معه، وهذه القِصَّةُ مَشهورة (١).
_________________
(١) أخرجها الطبري في تفسيره (١٦/ ٦٠٤ - ٦٠٨) من عدة طرق، وقال ابن كثير في تفسيره (٥/ ٣٨٧): طرقها كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح. وقال الشنقيطي في أضواء البيان (٥/ ٢٨٦): اعلم أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعًا، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب.
[ ٣٣٠ ]
واختَلَف المُفسِّرون فيها فمِنهم مَن أَنكَرها إنكارًا عظيمًا، ومِنهم مَن حسَّنها وقال: إنها لا تُنافِي العِصْمة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ يَعنِي: إذا قرَأ ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج: ٥٢] أَلقَى الشَّيْطان بالقراءة، ليس هو الذي يُلقِي، بل الشيطان هو الذي يُلقِي كما قال الله ﵎: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يَنسَخه يَعنِي: بين بُطلانه، وأنه لا حقيقةَ له، ثُمَّ قال مُعلِّلًا ذلك: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٣، ٥٤].
فعلى كل حال: إن صحَّتِ القِصَّة فإنها لا تُنافِي العِصْمة؛ لأن الذي أَثنَى على هذه الأصنامِ الشَّيْطان، لكن ظنَّ هؤلاء الذين سمِعوه أنها قِراءة النبيِّ - ﷺ -، وإذا لم تَصِحَّ فلا إِشكالَ.
لكن إذا قال قائِل: إذا لم تَصِحَّ فكيف سجَد المُشرِكون مع النبيِّ - ﷺ - حين قال: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾؟
والجَوابُ عن ذلك أن نَقول: إن آخِرَ آيات هذه السورةِ تَأخُذ باللُّبِّ والفُؤاد حتى إن الإنسان لَيَنفَعِل من غير أن يَشعُر فهؤلاءِ المُشرِكون انفَعَلوا من شِدَّة ما سمِعوا حتى لم يَشعُروا بأَنفُسهم إلَّا وهُمْ ساجِدون، هذا هو الجواب إذا لم تَصِحَّ القِصَّة.
[ ٣٣١ ]