* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر: ٤٦].
قوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ﴾ هذه مُنادى، حُذِفَت منها (يا) النِّداء، وعُوِّضت عنها الميمُ؛ لأنها دالَّةٌ على الجَمْع، كأن الإنسان جمَعَ قَلْبه على ربِّه ﷿، وأُخِّرَت تَيمُّنًا بالبَداءة بِسْم الله ﷾، وعلى هذا فنَقول: (الله) مُنادى مَبنيٌّ على الضمِّ في محَلِّ نَصْب.
يَقول ﷿: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بمَعنى: يا اللهُ]، فالميمُ عِوَض عن (يا) النِّداء [﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مُبدِعَهما ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ ما غاب وما شُوهِد].
وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فاطِرَ الشيء أي: مُبدِعَه على غير مثال سَبَق، يَعنِي: مُبدِعَه مُنشِئَه أوَّل مرَّة يُسمَّى هذا فَطرًا، ومنه: فطَر البِئْر إذا حفَره لأوَّل مرَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ والسَّموات والأرض هذه تَقدَّمت كثيرًا، وذكَرنا ما يَتَعلَّق بالجمع بالنَّسبة للسمَوات والإفراد بالنِّسبة للأرض.
وقوله تعالى: ﴿فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾: ﴿فَاطِرَ﴾
[ ٣٣٣ ]
و﴿عَالِمَ﴾ كلها صِفة للمُنادى في قوله تعالى: ﴿اللَّهُمَّ﴾، ولكنها نُصِبَت؛ لأنها مُضافة.
وقوله تعالى: ﴿عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ الغيب: ما غاب، والشهادة: ما شُوهِد وحُضِر، فالله ﷾ عالم الغَيْب كلِّه، وعالم الشهادة كلِّها؛ فإن الله تعالى لا يَخفَى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
واعلَمْ أن الغَيبوبة تَكون كلِّيةً، وتَكون نِسبيَّة، فالله تعالى عالِم الغَيْب كلِّيةً ونِسبيةً أيضًا، بخِلاف البشَر، فالبشَر لا يَعلَم الغيب، أي: ما غاب عنه سواءٌ كلِّيًّا أم نِسبيًّا؛ ولذلك لا تَعلَم ما وراء الجِدار، ولا تَعلَم ما في ضمير غيرك، ولا تَعلَم المُستَقبَل، بل وتَنسَى ما مضى، أمَّا الربُّ ﷿ فإنه لا يَعتَريه شيء من هذا النُّقصانِ.
وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ أي: تَفصِل بينهم في الحُكْم، وذلك يوم القِيامة حين يَتَحاجُّ الناس عند ربهم يَختَصِمون، وقد بيَّن الله ﷾ نَتيجةَ هذه الخُصومةِ بأن الخاصِم همُ المُؤمِنون حيث قال تعالى: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١].
إِذَنْ: فالخاصِم الغالِب همُ المُؤمِنون، إذ لم يَكُن سبيلٌ للمُشرِكين الكافِرين عليهم فهمُ الخاصِمون بلا شَكٍّ.
وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يَشمَل الحُكْم في الدنيا والحُكْم في الآخِرة، أمَّا الحُكْم في الدنيا فإن المَرجِع إلى كِتاب الله تعالى وسُنَّة رسول - ﷺ -، وأمَّا في الآخِرة فالمَرجِع إلى الله ﷿ يَحكُم بينهم حُكْمًا جَزائيًّا كلٌّ بما يَستَحِقُّ.
[ ٣٣٤ ]
وقوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ المُراد بالعُبودية هنا العامة، فيَشمَل العبد المُؤمِن والعَبْد الكافِر، وقد قسَّم العُلَماءُ ﵏ العُبودية إلى قِسْمين: عامَّة وخاصَّة.
فالعُبودية العامة هي التَّعبُّد بالقدَر أي: أنها تَتَعلَّق بالأَمْر القدَريِّ، يَعنِي: التَّذلُّل لقَدَره، فكلُّ مَن في السموات والأرض عبدٌ لله بهذا المَعنَى، ولا يُمكِن أن يَتَخلَّف عمَّا قَضَى الله تعالى عليه، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، فهذه عُبودية تَتَعلَّق كما قُلْت بالقَدَر والقَضاء، فهي كونية في الحقيقة.
والعُبودية الخاصَّة هي التَّعبُّد لله تعالى بشَرْعه، وهذه خاصَّة بالمُؤمِنين الذين يَتَعبَّدون لله تعالى بشَرْعه.
وهذه الخاصَّةُ أيضًا فيها عِبادةٌ أخصُّ وهي عِبادة النُّبوَّة والرِّسالة، مثل قوله ﵎: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، ومثل قول الرسول - ﷺ -: "أفلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا" (١)، والأمثلة كثيرة.
فمَحطُّ المَدْح من هذه الأنواع والأقسام: العُبودية الخاصَّة، أمَّا العُبودية العامة فلا يُمدَح الإنسان فيها؛ لأنها بغير اختياره، بل هو ذليل لله تعالى مُتعبِّد لله تعالى شاء أم أبَى.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجمعة، باب قيام النبي - ﷺ - الليل، رقم (١١٣٠)، ومسلم: كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة، رقم (٢٨١٩)، من حديث المغيرة بن شعبة - ﵁ -.
[ ٣٣٥ ]
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي: في الذي يَختَلِفون فيه، وقد جاءت الآية هكذا: ﴿مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، فيَشمَل ما يَختَلِفون فيه من أمور الدِّين وأُمور الدنيا أيضًا، فكل ذلك سَوْف يَحكُم الله تعالى فيه بحُكْمه العَدْل الذي ليس فيه حَيْفٌ على أحَد.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من أَمْر الدِّين اهدِني لما اختُلِف فيه من الحَقِّ]، ولكنَّ هذا التَّقديرَ فيه نظَر؛ لأن المُراد بالآية: تَفويض الأمر إلى الله ﷿، وشِكاية هؤلاء إليه: الذين إذا ذُكِر الله تعالى اشمَأزَّت قلوبُهم، وإذا ذُكِر الذين من دونه إذا هُمْ يَستَبشِرون. وليس المَقام مَقامَ دُعاء، وإنما كان النبيُّ - ﷺ - يَقول هذا الدعاءَ في استِفْتاح صلاة الليل (١).
فائِدةٌ: المُضاف إلى الله تعالى قد يُضاف إلى الله ﷿ إضافةَ خَلْق وتَكوين وقد تَكون إضافة تَشريف، فهنا قال تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ﴾ فالعِبادُ عامٌّ، فإذا كان عامًّا صار المُرادُ الخَلْقَ والتَّكوين وإذا كان خاصًّا يَعنِي: أُضيفتِ العُبودية لشخص مُعيَّن أو لجماعة مَوْصوفين بصِفة فهذا للتَّشريف.
وفي قوله تعالى: ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ عِندي في نُسخَتي (فِي) مَفصولة عن (ما)، وتُرسَم أيضا مُتَّصِلة على القاعِدة، فالقاعِدة أخيرًا: أنها مَفصولة، لكن لعلَّ القاعِدة التي عليها المُفسِّر هي في المُصحَف الأوَّل، يَعنِي: في القاعِدة الأُولى، وقد اختَلَف العُلَماء ﵏: هل تَجوز مُخالَفة القاعِدة العُثْمانية؟
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، رقم (٧٧٠)، من حديث عائشة - ﵂ -.
[ ٣٣٦ ]
على أقوالٍ ثلاثةٍ: (الجواز، والمَنْع، والتَّفصيل)، التَّفصيل بين أن يُكتَب للصَّبيِّ وأن يُكتَب للبالِغ، فالصبيُّ يُكتَب له على حسَب ما يَعرِفه من القواعِد؛ لأنه لو كُتِب له على القاعِدة العُثمانية لحرَّف، لو كُتِبَتِ الصلاة بالواو والزكاة بالواو، وما كان مَمدودًا، أي: بأَلِف حُذِفت الأَلِف منه، مثل: الرحمن، وما أَشبَهَه لو كُتِبَ له ذلك لحرَّف، لقال: إن الصلَوات، إن الزكوات، وما أَشبَهَه، أمَّا إذا كان لبالِغ عارِف فيُكتَب بالرَّسْم العُثمانيِّ.
والصحيح: أنه لا يَجِب التَّقيُّد بالرَّسْم، وذلك لأن القُرآن لم يَنزِل على هذا الرسمِ، لو نزَلَ بهذا الرسمِ كما كُتِبَت التَّوْراة ونزَلَتْ مَكتوبةً لقلنا: لا يَجوز مُخالَفته، لكنه نزَلَ قولًا وصادَفَ أن القاعِدة في ذلك الوقتِ حين كِتابته كانت على هذا الوجهِ، ولو كانَتِ الكِتابة على غير هذا الوَجهِ لكُتِب بها مُخالفًا لهذا الوَجهِ.
فالمَسأَلة اصطِلاحية، يَعنِي: أن القُرآن لم يَنزِل على هذا، صحيحٌ أننا قد نَقول: يَنبَغي تَأدُّبًا أن يُكتَب القُرآن بالقاعِدة العثمانية احتِرامًا وتَعظيمًا لما كتبَه الصحابة - ﵃ -. أمَّا أن نَقول: هذا على سبيل الوجوب والإلزام. ونَقول: إنه لا يَجوز أن تَكتُب على السُّبورة آيةً من كِتاب الله تعالى على القاعِدة المعروفة المألوفة، فهذا فيه نظَر.