* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر: ٦]
ثم قال الله ﷿: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ الخطاب هنا لبني آدم ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ يعني يا بني آدم. ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ وهي آدم ﵇.
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وصِفَةُ خَلْقِ آدم: أنَّ الله ﷾ خَلَقَه من ترابٍ، التُّرابُ هذا صار طينًا بإذن الله وبقي حتى صار كالفَخَّار له صَلْصَلَة وصَوْت عند دقِّه، ثم بعد ذلك خَلَقَ اللهُ منه آدمَ، وبعد أن خَلَقَ جُثَّة آدم نفخ فيه الرُّوحَ فصار حيًّا سويًّا بشرًا، هذا هو أوَّل خِلْقَة الإنسان كما دلَّ على ذلك كتاب الله ﷿، وأمَّا القُرُود الذين زعموا أنَّ أَصْلَ الآدَمِيِّ قِرْد، فنحن نُسَلِّم لهم ذلك بالنسبة لهم، أما بالنِّسْبة لنا فنحن ولله الحمد من بني آدَمَ بَشَرٌ خلق الله تعالى أبانا بِيَدِهِ وعَلَّمَه أسماءَ كُلِّ شيء، وأَسْجَدَ له ملائِكَتَه، وأمَّا هم فلهم ما أحَبُّوا أن يَرُدُّوا أنْفُسَهُم إليه!
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾: ﴿ثُمَّ﴾ للتَّرتيب بمهلة؛ لأنَّ خَلْق هذه الزَّوْج متأخِّرٌ عن خلق آدم، فإن الله ﷾ أبقاه مدةً حتى عرف أنه مُحتاجٌ إلى زوجة ليسكن إليها فخلق الله له زَوْجَة، وجعل هذه الزوجة من نَفْس آدم؛ لقول النَّبِي - ﷺ - في النساء:
[ ٥٤ ]
"إِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ" (١) يقتضي أن حواء خلقت من ضِلَع آدم، والله على كلِّ شيء قديرٌ؛ أن يخلق بشرًا من غير زوجة، بل ومن غير زوج، فإن حوَّاء خُلِقَت بلا أمٍّ ولا أبٍ.
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ لا ينافي ما ذكر الله تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ لأنَّ الواو لمُطْلَق الجمع لا تستلزم التَّرتيب، فإذا جاءت آية أخرى فيها التَّصْريحُ بالتَّرتيبِ حُمِلَت الآيةُ التي فيها الواو الدَّالَّة على مُطلَق الجمع على الترتيب، على أنَّ تقديمَ الشَّيْء على الشَّيْء في الذِّكْر وإن كان بالواو يقتضي أن يُقَدَّم، هذا هو الأصل، ولهذا لما دنا النَّبِي - ﷺ - من الصَّفا حين أتى إلى السَّعْيِ قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" (٢) فبدأ بالصفا.
وهذا يدل على أن ما قُدِّم في الذكر فهو متقدِّمٌ على ما بعده رُتْبَة، أو زمنًا، أو مكانًا حسب ما يقتضي الحال، لكن ليس هذا بلازِمٍ، قد يتقدم ما بعد الواو على ما قبلها ولا يُعَدُّ ذلك تناقضًا، لكن في قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ لا يمكن أن نقول إنَّ الجَعْل هنا قبل خلق آدَمَ.
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا﴾ هذا ابتداءُ خَلْقِ الإنسان؛ و(مِن) هذه للابتداء، وهل (منها) عَينًا أو (منها) وَصْفًا؟
الجواب: الظاهِرُ الأَمْران؛ لأنَّها من آدم خُلِقَت، وهي مثل آدم أيضًا فهي من نوْعِهِ، وهي أيضًا منه عَينًا، فهي جزءٌ منه وبَضْعَةٌ منه، ولهذا خَطَبَ النَّبِي - ﷺ - النَّاس
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب النكاح، باب الوصاة بالنساء، رقم (٥١٨٦)، ومسلم: كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء، رقم (١٤٦٨)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، رقم (١٢١٨)، من حديث جابر بن عبد الله - ﵄ -.
[ ٥٥ ]
وأخبر أن فاطمة بَضْعَةٌ منه (١).
يقول: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ والزوج يُطْلق على معانٍ منها: الصِّنف؛ كقوله ﵎: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ [ص: ٥٨] أي: أصناف، وكقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أي: أصنافهم؛ ويُطْلَق الزوج على ما سوى الفَرْدِ؛ أي الشَّفْع، فيقال: فَرْد وزَوْج.
وكلمة زوج هنا تشمل المعنيينِ؛ فهي صنفٌ من البَشَر، وهي أيضًا زوج تشفع آدَمَ بعد أن كان فريدًا.
قال ﵀: [﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾ الإبل والبقَر والغَنَم والضَّأن والماعز ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾].
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ﴾: الإنزال هنا بمعنى: الخَلْق؛ لأنَّها أُضيفَتْ إلى أعيان وهي الأَنعامُ، والأنعام جمع: نَعَمٍ؛ كأسبابٍ جَمْع: سَبَب.
وقوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ أي: ثمانية أصنافٍ، وقد بيَّن الله هذه الأزواج في سورة الأنعام فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، فالجميع ثمانيةٌ؛ ذَكَرٌ وأنثى من كل صِنْف من الأصناف الأَرْبعَة، وإذا ضربْتَ اثنين في أربعة صارَتْ ثمانية؛ قال المُفَسِّر ﵀: [مِنْ كُلٍّ زَوْجَانِ، ذَكَرٌ وَأُنْثَى كَمَا بَيَّنَ فِي سُورَة الْأَنْعَام].
ثم قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب مناقب قرابة رسول الله - ﷺ -، رقم (٣٧١٤)، ومسلم: كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل فاطمة بنت النبي ﵍، رقم (٢٤٤٩)، من حديث المسور بن مخرمة - ﵁ -.
[ ٥٦ ]
لما ذكر الله ابتداءَ الخَلْق الأَوَّل وهو آدم ذكر ابتداءَ الخلق الثاني وهو النَّوْع الإنساني، النوعُ الإنسانِيُّ كيف خُلقَ؟ فقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: ﴿فِي﴾ للظَّرْفِيَّة، والبطون جمع بَطْن، والأصل: أنَّ هذه المادَّةَ (الباء والطاء والنون) خلافُ الظُّهورِ؛ فالبطون خَفِيَّة، والظُّهور ظاهِرَة.
ومن أسماء الله: (الظَّاهِر والباطِنُ) الظاهر: العالِم، والباطِنُ: الذي لا يَحُول دونه شيءٌ، فهنا البطون إذن جمع بَطْنٍ، وهو مُشْتَقٌّ من البطون، بَطَنَ الشَّيْءُ بُطُونًا، أي: خَفِيَ.
وقوله: ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾ جمع: أمٍّ أو أمَّهَة، ويقال: أُمَّاتٌ لغير العاقل، ويقال في العاقل: أمَّهَاتٌ.
وقوله: ﴿خَلْقًا﴾ مصدر يَخْلُق ﴿مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ أي: خَلْقًا متطوِّرًا ينتَقِلُ من خَلْقٍ إلى آخر؛ قال المُفَسِّر ﵀: [أي: نُطَفًا، ثم عَلَقًا، ثم مُضَغًا]، وقد أشار الله تعالى إلى هذه الأصول في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: ٥].
من تراب باعتبارِ آدَمَ، من نطفة باعتبارِ النَّوْعِ الإنسانيِّ، ثم من عَلَقَةٍ، ثم من مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وغير مُخَلَّقة؛ والمضغة: هي قِطْعَةُ اللَّحْم بِقَدْرِ ما يُمْضَغ.
وقد بيَّن النَّبِي - ﷺ - مُدَّةَ هذا التَّطوُّر في حديث ابنِ مسعود - ﵁ -، قال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونَ عَلَقَةً مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ المَلَكُ، فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بأَرْبَع كَلِمَاتٍ: بكَتْب رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ" (١)
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، رقم (٣٢٠٨)، ومسلم: كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه، رقم (٢٦٤٣).
[ ٥٧ ]
فقوله: "أربعين يومًا نُطْفَةً" يعني: ماءً وهو المَنِيُّ، لكنه في هذه المدة يتطوَّر تطورًا خفيًّا إلى أن يصِلَ إلى الغاية في تمام أربعينَ يومًا حتى يكون عَلَقَةً؛ أي: دمًا أحمر، والظَّاهِرُ: أنَّه ليس المراد أنه يبقى نُطْفَةً إلى تمام الأربعين ثم ينقلب في لحظة إلى دَمٍ، بل هو يتطوَّر وينقَلِبُ شيئًا فشيئًا إلى أن يَتِمَّ كونُه دمًا في أربعين يومًا، ثم يكون، ثم يبقى هكذا عَلَقَةً، لكنه أيضًا يتجمَّدُ شيئًا فشيئًا وينمو حتى ثمانينَ يومًا، ثم بعد ذلك يكون مُضْغَةً؛ قِطْعَةً لَحْمٍ.
وقوله تعالى: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ يحتمل - والله أعلم - أن مُخَلَّقَة عند انتهاء الطَّوْر الثالث، غير مُخَلَّقَة في ابتداء الطور؛ يعني: فتكون في هذا الطَّوْر في الابتداء غير مُخَلَّقَةٍ، وفي النهاية مُخَلَّقَة، ويحتمل أن تَخْتَلِفَ الأجِنَّة في ذلك فيكون بَعْضُها مخُلَّقًا من حين أن تَنْتَقِل إلى العَلَقَة إلى المُضْغَة، وبعضها يتأخَّر، فالله أعلم، ويُرْجَع في هذا إلى العلماء في هذه المسألة.
ثم قال ﷿: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ ظُلُمات لا يصل إليها الضوء، ﴿ثَلَاثٍ﴾ فَسَّرَها المُفَسِّر ﵀ بقوله: [هِيَ ظُلْمَة الْبَطْنِ، وَظُلْمَة الرَّحِم، وَظُلْمَة الْمَشِيمَة]؛ هذه ثلاثُ ظُلُمات جعلها الله ﷿ وقايةً لهذا الجنين؛ لأنَّ أشِعَّة الضَّوْء لو وصلت إليه لأَفْسَدَتْه، ولكن الله ﷿ جعله في هذه الظلمات الثَّلاث، ثم إنَّه ﷾ جعل ظَهْرَه إلى بَطْنِ أمِّه، ووَجْهَه إلى ظَهْر الأم، وهذا من أجل ألَّا يتضرر وَجْهُه بالصَّدَمات التي تكون على بطْنِ الأُمِّ ليكون الظَّهْر وقايةً للوَجْه، وخلف الجنين الذي هو الذي يلي البطن قوِيٌّ؛ لأنَّ فيه الظَّهْر والأَضْلاع، فهو قويٌّ؛ يعني: مُتَحَمِّل للصَّدَمات.
فإذا أراد الله ﷿ إخراجَه انقلب هذا الجَنينُ؛ تَحرَّك واضْطَرَب بإذن الله ﷿
[ ٥٨ ]
ثم انْقَلَبَ حتى يكون رأسُه هو الأسفل، ويخرج الرأس أولًا من أجل أن يكون خُرُوجه سهْلًا، إذ لو خرج من عند قَدَمَيْه لكان في ذلك ضَرَرٌ وخَطَرٌ، وأيضًا قد تُعَلَّق مثلًا إحدى اليدين في أَحَدِ الجوانِبِ فيحصل في هذا ضَرَر، وربما يَحْصُل تلف على الجنين، ولله ﷾ في خَلْقِه شؤون.
المهم: أنَّ الله ﷾ اعتَنَى بنا عنايَةً تامَّةً، ونحن في بطون أمَّهاتنا وعند خروجِنا منها؛ ولهذا قال: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ ونِعْمَ الرَّبُّ ﷿!
﴿ذَلِكُمُ﴾ المشار إليه: رَبُّ، والمخاطب: ﴿ذَلِكُمُ﴾ البَشَر؛ ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ وإنما أتى باسم الإشارة المفيد للبُعْد ﴿ذَلِكُمُ﴾ ولم يقل: (هذا) إشارةً إلى عُلُوِّ مَرْتَبَة الله، إلى عُلُوِّ منزلته ﷿ وأنَّ له العُلُوَّ؛ عُلُوَّ الذَّاتِ وعُلُوَّ القَدْرِ، وعُلُوَّ القَهْرِ.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ رَبُّ إما أن تكون صِفَةً أو بدلًا، وفيه إشارة؛ يعني ذكر الرُّبوبِيَّة بعد الأُلوهِيَّة إلى التَّرْبِيَة الخاصَّةِ في حال الحَمْل والعناية التامَّة؛ لأنَّ الحمل في بطن أمه لا يمكن لأحَدٍ أن يَصِلَ إليه لا بِجَلْب مَنْفَعَة ولا بدفع مَضرَّة، ولكن الله ﷾ هو الذي يتولَّى العناية به.
وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ الجملة هذه جملة خَبَرِيَّة قُدِّم فيها الخبر على المبتدأ لإفادَةِ الحَصْر، ﴿لَهُ﴾ أي: وَحْدَه لا يشارِكُه أحد.
﴿الْمُلْكُ﴾ يعني المُلْك المُطْلَق، مُلْك الأعيان ومُلْك الأوصاف؛ فهو مالِكُ الأعيان كلها، ومالِكُ أَوْصافِها وتَصْريفها وتَدْبيرِها.
﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا توحيدُ الأُلوهِيَّة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ والجملة هذه مكونة من نفي وإثباتٍ، نَفْيٌ من أبلغ أنواع النَّفْيِ؛ لأنَّه مُصدَّرٌ بـ (لا) النافية للجنس،
[ ٥٩ ]
ولا النافِيَة للجنس يقول علماء النحو والبلاغة: إنَّها نَصٌّ في العُمُوم؛ يعني لَيْسَتْ ظاهرةً في العموم، بل هي أبلغ من الظَّاهِرَة: نصٌّ في العموم.
ولهذا يقال فيها: نافيةٌ للجِنْس لا للوَحْدَةِ، بل للجنس كلِّه، إذن لا يوجد إله إلا اللهُ، ولكن يجب أن نعلم أنَّ المنفِيَّ هنا (الإلهُ الحَقُّ) يعني لا إله حَقٌّ إلا اللهُ، أما الآلِهَة الباطِلَةُ فإنها موجودة؛ كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود: ١٠١] فسماها: آلهة؛ وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] إلهًا آخر، فسمَّاه: ﴿إِلَهًا﴾ لكنه إله باطِلٌ، كما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢].
فإذا سألنا سائل: هل مع الله إلهٌ؟
فالجواب: يكون بالتَّفْصيل، وهو:
إن أردْتَ إلَهًا حقًّا فلا، وإن أردت إلهًا باطِلًا يُسمَّى: إلَهًا وليس بإله، فهذا موجودٌ.
وفي قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذا قال قائل: أين خبَرُ (لا) هل هو: (هو) أم ماذا؟
فنقول: لا يمكن أن يكون خبر (لا): (هو)؛ لأنَّ (لا) النافية للجنس لا تعمل إلا في النَّكِرَات؛ قال ابن مالك ﵀:
عَمَلَ إِنَّ اجْعَلْ لِلَا فِي نَكِرَهْ (١)
فلا تعمل إلا في النَّكِرات، وهنا (هو) مَعْرِفَة، فنقول: الخبر محذوف، تقديره: لا إله حقٌّ إلا اللهُ، هكذا يجب أن يقال، وأخْطَأَ من قال: لا إلَهَ موجودٌ إلا اللهُ؛ لأنَّ
_________________
(١) الألفية (ص ٢٢).
[ ٦٠ ]
هذا يتضمَّن أَمْرًا إِمْرًا؛ إذ إنَّك إذا قلت: لا إله موجودٌ إلا الله، جَعَلْتَ الآلِهَة الموجودَةَ جَعَلْتَها الله، وهذا خطأ عظيم! بل الواجب أن نقول: لا إله حقٌّ إلا الله، نَعَم، إلا الله؛ أما في الآية فـ (إلا هو).
إذن: فما محل: (هو) من الإعراب؟
الجوابُ: بدلٌ من الخَبَرِ المحذوف. يقول: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾: (أنَّى) اسْمُ استفهامٍ، والمراد به: التَّوْبيخُ والتَّعَجُّب يعني: كيف تُصْرَفُون عن عبادة الله ﷿ وأنتم تعلمون أنه لا إله إلا هو، هذا خطأ، سَفَهٌ في العقل، وضلالٌ في الدِّين.
وقوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ قال المفَسِّر ﵀: [عن عبادته إلى عبادة غَيْرِه].
إذا كان هذا الاستفهام للتَّوبيخ والتَّعجُّب فإنه يقتضي أن يكون هذا الانصراف حرامًا؛ لأنَّه لا يوبَّخُ إلا على شيء مُحَرَّم - والله أعلم - لأنَّ أهواءهم هي التي غَلَبَتْهُم، وكلمة ﴿تُصْرَفُونَ﴾ تدل على الانْصِراف؛ لأنَّهُم صُرِفوا، لكنَّهم صَرَفَتْهم أهواؤُهُم والشياطينُ.