* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ﴾ أي: أصاب، و﴿الْإِنْسَانَ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: المراد به [الكافر] المراد به الكافر، وإنَّما جعل هذا العام خاصًّا لظاهر سياقِ الآية كما يتبَيَّن، وإلا فالأصل أنَّ الإنسانَ من ألفاظ العُمُوم، فـ (أل) فيه لاستغراق الجِنْس.
وعلامة (أل) التي لاسْتِغْراق الجِنْس أن يَحُلَّ مَحَلَّها (كُلٌّ) أي: كُلُّ إنسان، لكن المُفَسِّر ﵀ جعله عامًّا أريد به الخاصُّ لقرينة السِّياق، فإنَّ السِّياق يدلُّ على أنَّ المراد به الكافِرُ؛ لأنَّه لا يمكن أن يتأتَّى ما يدل عليه السِّياقُ من مؤمن.
قوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ ضُرٌّ: نكِرَةٌ في سياق الشَّرْط فتكون عامَّةً، أيَّ ضُرٍّ يكونُ؛ في بدنه، في أهله، في ماله، عام، خاص؛ أي ضرٍ يكون يدخل في قوله: ﴿ضُرٌّ﴾.
قوله: ﴿دَعَا رَبَّهُ﴾ ولم يقل: دعا الله، ففي هذه الحال - أي في إصابة الضر - عرف ربَّه وأنه لا مَلْجَأَ منه إلا إليه، فيدعو ربَّه معتقدًا أنه ربُّه يَمْلِك ما شاء ويتصَرَّفُ فيما شاء.
[ ٨٢ ]
وقال المُفَسِّر ﵀: [تَضَرَّع] يعني: فَسَّرَ دعا بمعنى تضَرَّع؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا﴾ [الأعراف: ٥٥] والتَّضَرُّع هو الاستكانة والذُّلُّ أمام الله ﷿.
قوله: ﴿مُنِيبًا﴾ راجعًا إليه، فإذا دعا ربه مُنيبًا إليه كَشَفَ الله ضُرَّه؛ لأنَّه ﷿ قال: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢].
وإجابة الله للمُضْطَرِّ تَشْمَلُ الكافر والمُسْلم؛ حتى الكافر الذي يعلم الله أنه سَيَكْفُرُ بعد زوال اضْطِرارِهِ يُجيبُ دعوته، قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥].
فهو يعلم ﷿ أنَّهُم سيُشْرِكون بعد النَّجاة، ومع ذلك يجيبهم؛ لأنَّ رَحْمَتَه سبقت غَضَبَه، ففي حال الضَّرورة يَصْدُق لجوءُ الإنسانِ إلى ربِّه؛ لأنَّه يعلم أنه لا يَكْشِفُ الضُّرَّ إلا اللهُ؛ فإذا لجأ إلى ربِّه ﷾ فإنَّ رحمته سبقت غضبه، فيجيبه رحمةً به.
فهنا يقول ﷿: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ إلى آخره؛ يعني كأنَّ هذا - والله أعلم - إشارة إلى أنَّه بعد أن تَغْمُرَه النِّعْمَة ويَسْتَمِر فيها وقتًا يُنَعَّم بها، بعد ذلك يَكْفُر.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً﴾ قال ﵀: [إذا أَعْطاه] تفسير: لـ ﴿خَوَّلَهُ﴾، [إنعامًا] تفسير لـ ﴿نِعْمَةً﴾ أمَّا تفسير خوَّله بـ (أعطاه) فواضِحٌ، وأما تَفْسيرُ نِعْمَةٍ بإنعامٍ فلا وَجْهَ له؛ لأنَّ المُعْطَى ليس الإنعامَ وإنما المُعْطَى النِّعْمَة، وعلى هذا فإبقاءُ الآية على ظاهرها أَوْلى مِمَّا ذهب إليه المُفَسِّر ﵀.
[ ٨٣ ]
إذن: فأعطيناه إنعامًا لا يستقيم به الكلامُ؛ لأنَّ الإنعامَ فِعْل الله، والمُعْطى هو النِّعْمَةُ، وليس فِعْل الله، فإبقاءُ الآية على ظاهرها لا شَكَّ أنَّه هو الموافق للواقِعِ.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾: (مِن) هنا للابتداء أي: نِعْمَةً صادرةً من الله ﷿ يتبيَّن بها أنها فضلٌ مَحْضٌ من الله.
قوله ﵀: [﴿نَسِيَ﴾ تَرَكَ ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ يتضَرَّعُ ﴿إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ وهو الله].
فانظر - يا أخي - كان يتضَرَّعُ إلى الله ﷿ في أن يَكْشِفَ عنه الضُّرَّ، فلما كشَفَ الله عنه الضُّرَّ وأعطاه نِعْمَةً زائدة على كَشْفِ الضُّرِّ ماذا تكون حالُه؟ قال تعالى: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾.
قوله: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ النِّسيانُ هنا بمعنى الغَفْلَة وليس المراد به: ذُهُولَ القَلْبِ وإنما المرادُ: الغَفْلَة المتَضَمِّنَة للتَّرْك، ومن ذلك قوله ﷾: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤، ٥] أي: غافلون عن صلاتِهِم.
وقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾ الضَّميرُ يعود على الله ﷿، و﴿مَا﴾ تعود على الله؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [فـ (ما) في موضع (مَن)].
(ما) في قوله: ﴿مَا كَانَ يَدْعُو﴾ في مَوْضِعِ (من)؛ يعني: مرادُ المُفَسِّر ﵀: أنَّ (ما) بمعنى (من) أي: نَسِيَ من كان يدعو إليه من قبل، يعني مَن يُوجِّهُ الدُّعاء إليه، أو كما قال المُفَسِّر ﵀: [يتضَرَّعُ إليه] وهو الله ﷿، فغَفَلَ، وكأنَّ الله ما أنعم عليه بِكَشْفِ الضُّرِّ وتَخْويلِهِ النِّعْمَةَ.
قوله: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ الأندادُ لم يَغْفُلْ عنهم،
[ ٨٤ ]
و(الواحِدُ القهَّار) غَفَلَ عنه ذلك الشَّخْصُ، والعياذ بالله! مع أنَّ الأنداد لم تَنْفَعْه ولم يتضرَّع إليها حين أصابه الضُّرُّ، ومع ذلك يُقْبِلُ عليها وَيدَعُ من أَنْعَمَ عليه.
﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ شركاءَ، والأندادُ جَمْع: نِدٍّ، والنِّدُّ هو المُسَامِي لنِدِّه؛ المُماثِلِ له فيجعل لله أندادًا في العبادة، فيعبد هذه الأصنام كما يعبُدُ الله ﷿، يَنْذِرُ لها كما يَنْذِر لله، يذبَحُ لها كما يذبح لله، وهكذا.
قال ﵀: [﴿لِيُضِلَّ﴾: بفتح الياء وضَمِّها ﴿عَنْ سَبِيلِهِ﴾ دين الإسلام].
قال تعالى: ﴿أَنْدَادًا لِيُضِلَّ﴾ اللَّامُ هذه إمَّا أن تكون للتَّعليل، وإما أن تكون للعاقِبَة، فإن كانت على قراءة الفَتْح (لِيَضِلَّ) فاللَّامُ للعاقِبَة؛ يعني: جعل لله أندادًا أدَّتْ به إلى الضلال، وإن كانت بِضَمِّ الياء (لِيُضِلَّ) فاللام للتَّعليل؛ يعني: جعل لله أندادًا ليَقْتَدِيَ به النَّاسُ فيَضِلُّوا.
والآية فيها قراءتان: (لِيَضِلَّ) و﴿لِيُضِلَّ﴾ فيَضِل تعود إلى نفسه، ويُضِل تعود إلى غيره، وهاتان القراءتان كلتاهما صحيحة، وكل واحدة تفيد معنًى يُكمِل معنى الأخرى، فهو يَضِلُّ بِنَفْسه، ويُضِلُّ غَيْرَه أيضًا.
فإن قال قائل: هل يمكن نقول: إنَّ قِراءة ﴿لِيُضِلَّ﴾ أقربُ مِن قراءة (ليَضِلَّ)؟
فالجواب: لا، لكن يمكن أن نقول: لا شكَّ أن يُضِلَّ متعدٍّ ضلالُه للغير، لكن إذا قلنا: إنَّه ضَلَّ أوَّلًا ثم أضَلَّ ثانيًا يكون مجموع القراءتين فيهما فائِدَةٌ لا تحصل بانفراد إحداهما.
ولام العاقبة تأتي في اللُّغَة العَربيَّة، كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فهل آلُ فرعون التقطوا موسى من أجل أن
[ ٨٥ ]
يكون لهم عدوًّا وحَزَنًا؟ أبدًا؛ يقول: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾، لكن في العاقبة صار ﴿عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾.
وتأتي اللام أيضًا زائدةً، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ﴾ أي: أنْ يُذْهِبَ، وكما في قوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ﴾ أي: أنْ يُبَيَّن، وإنما قالوا: إنَّها زائدة لأنَّ كلمة (أراد) تتعدى بِنَفْسِها لا باللَّام، ولا تصلح أن تكون للتَّعليل؛ لأنَّ التعليل مستفادٌ من الإِرادَة، وعلى هذا فيعربونها على أنها زائِدَة.
فتبين أنَّ اللام التي تدخل على المضارع تكون زائدة، وتكون تعليلية - وهي الأكثر - وتكون للعاقِبَة.
وقوله ﵎: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾: ﴿سَبِيلِهِ﴾ أي: طريق الله المُوصِل إليه، هذه سبيل الله.
والسَّبيلُ يضاف إلى الله تارةً كما في هذه الآية، وكما في آياتٍ أخرى كثيرة، ويضاف إلى المَخْلوق؛ كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨] فما هو الجمع بينهما؟ الجمع بينهما: أنَّه يُضاف إلى اللهِ باعتبار أنَّه هو الذي وَضَعَه وأنه مُوصِلٌ إليه، ويضاف إلى غير الله للمخلوق باعتبار أنه هو السَّالِكُ له، إذن فسبيلُ الله؛ يعني: هو الذي شرع هذا السبيل، ووَضَعَه للعباد، وهو يوصل إلى الله، سبيلُ الرَّسول ﴿هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ١٠٨]؛ أي: طريقي الذي أَسْلُكُه.
ومثل ذلك يقال في الصراط: صراط الله؛ قال تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] فصراط الله باعتبار أنه هو الذي وَضَعَه وأنه مُوصِل إليه و﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ باعتبارِ أنَّهُم هم الذين يَسْلُكونه.
[ ٨٦ ]
وقوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [دينِ الإِسْلامِ]، وهذا تفسيرٌ للكلمة بمرادها؛ لأنَّ التفسير للقرآن أحيانًا يكون تَفْسيرًا لفظيًّا، وأحيانًا يكون تفسيرًا معنويًّا:
التفسير اللَّفْظي: أنْ تُفَسِّرَ اللَّفْظة بمعناها.
والتفسير المعنوي: أنْ تُفَسِّرَ اللَّفْظَةَ بالمرادِ بها.
فمثلًا: دين الإسلام لا يُطابِقُ في المعنى اللَّفْظي السبيلَ؛ لأنَّ السَّبيلَ في اللغة الطَّريق؛ فلو قيل: فَسِّر (سَبيل)؛ تقول: يعني: طريق، لكن السَّبيل المراد به: دين الإسلام؛ لأنَّ دين الإسلام - وهو شرائع الإسلام - يُوصِل إلى الله ﷿، والذي وضعه هو الله ﷾.
إذن: المُفَسِّر ﵀ فسَّر السبيل هنا بالمعنى المرادِ؛ أي: إنَّ المرادَ بذلك كذا وكذا.
وقوله ﵀: [دين الإسلام] واضِحٌ أنَّه هو سبيل الله؛ لأنَّ الله هو الذي شَرَعَه ﷾، ولأنَّ من سلكه أوصله إلى الله.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بقيَّةَ أَجَلِكَ] ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ أعوذ بالله!.
قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ الخطابُ للرسول - ﷺ -، ويُحْتَمَل أن يكون الخِطابُ لكلِّ من يَصِحُّ خطابه؛ أي: قل أيُّها الإنسانُ لهذا الكافر أو لهذا الإنسانِ الموصوفِ بهذه الصفات: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾.
وقوله: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ هذا أمْرٌ، لكنه ليس على ظاهِرِه، بل المراد بالأمر
[ ٨٧ ]
هنا: التَّهديدُ؛ كقوله تعالى ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ومعلومٌ أنَّ الإنسان ليس بالخيارِ بين الإيمان والكفر، لكن هذا من باب التَّهديدِ، فهنا ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ ليس معناه أننا نُبيحُ له أن يتمتَّع بالكُفْر، أو نأمره أن يتمَتَّع بالكفر، بل نهدِّدُه؛ فالأَمْرُ هنا للتَّهْديد.
فإن قال قائل: ما الذي أخرجه عن المعنى الأصلي؟
فالجواب: أنَّه أخرجَه عن المعنى الأصلي: قرينَةُ السِّياقِ.
فقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ أي: اكْفُرْ وتَمَتَّع بالكفر؛ لأنَّ الكافر يتمتَّع بكفره تَمَتُّعَ البهائِمِ؛ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
فالكافر - والعياذ بالله - لا يُقَيِّد نَفْسَه بعبادة؛ لا بصلاة، ولا زكاة، ولا صوم، ولا حج، ولا غير ذلك من العبادات، بل هو قد اتَّبَعَ هواه وتَمَتَّع كما يتمتَّعُ الحمارُ؛ وفي النهاية قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ كقوله تعالى: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد: ١٢].
وما أسْرَعَ وصولَه إلى النار؛ لأنَّ الدنيا قليلٌ؛ أي: زمنٌ قليلٌ؛ مهما طال بك العُمُر، فإنه إذا وافاك الأَجَل كأنْ لم تَلْبَثْ إلا ساعَةً من نهارٍ، وإذا شِئْتَ تصديقَ هذا فاعْتَبِرْ ما مضى من عُمُرك بما بقي، اعتبر ما مضى، الآن كلنا يختلف سِنُّه عن الآخر، لكنْ كلُّنا كأننا ولادَة هذه السَّاعَة؛ يعني: كلُّ الذي مضى كأنه لم يَكُنْ، هكذا يكون بَقِيَّةُ العُمُر، مهما طال بالإنسان العُمُر؛ ولهذا قال: ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ وإن طال بك العُمُر.
[ ٨٨ ]
يقول ﵀: [بَقِيَّة أَجَلِك ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾] الجملة هذه مؤكَّدة بـ (إنَّ) يعني: ومهما تَمَتَّعْتَ فمآلُكَ إلى النار ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ وأصحاب النار إنما تُطْلَقُ على الذين يُخَلَّدون فيها، فالمؤمِنُ العاصي وإن كان يَسْتَحِقُّ العذابَ بالنار، فإنه لا يُسَمَّى من أصحابِ النار؛ لأنَّ الأصل في الصُّحْبَة: طولُ المُلازَمَة، هذا الأصْلُ في الصحبة؛ طولُ المُلازَمَة، إلا في مسألة واحدة هي الصَّحابة مع الرَّسول - ﷺ -، فلو اجْتَمَع بالرَّسول - ﷺ - مُؤْمنًا به ولو لَحْظَةً صار من أصحابه.
يقول تعالى: ﴿النَّارِ﴾ هي الدار التي أعدها الله ﷿ للكافرينَ، وقد بيَّن الله تعالى في الكتاب، وبَيَّن رسولُه - ﷺ - في السُّنَّة ما فيها من أنواع العذاب؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٨].
أعوذ بالله! يُصَبُّ فوق رأسه من عذاب الحَميمِ؛ الماءِ الحارِّ الشَّديدِ الحَرارَةِ ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وهذا من باب التَّهَكُّم به؛ ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾. يعني: وأين عِزَّتُكَ وأين كَرَمُك في الدنيا؟! يرى نَفْسَه سيِّدًا شريفًا، ولكنه في الآخرة يُهانُ إلى هذه الإهانَةِ.
المهم: أنَّ أَنْواعَ العذابِ في النار شيء - والعياذ بالله - إذا تصوَّرَهُ الإنسان فإنه يتَبَيَّنُ له شِدَّةُ ما يلاقي هؤلاء من العُقُوبة الشَّديدَة؛ نعوذ بالله من النار.
[ ٨٩ ]