الْفَائِدَة الأُولَى: الثَّناء علي مَن قال بالصِّدْق، والصِّدْق واجِب، والكذِب مُحرَّم، وقد يَقول قائِل: إنه من كَبائِر الذُّنوب؛ لأن النبيَّ - ﷺ - جعَله من آيات النِّفاق (١)، والمُنافِق ليس من المُؤمِنين؛ فلو قال قائِل: إن الكذِب من كبائِر الذُّنوب لم يَكُن قوله بعيدًا.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم (٣٣)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان خصال المنافق، رقم (٥٩)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢٤٤ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الثَّناء على مَن صدَّق بمَن قامَتِ البيِّنة على صِدْقه فصدَّق بالصِّدْق، وأمَّا مَن لم يُصدِّق بما يَشُكُّ فيه فلا حرَجَ عليه، والأخبار التي تَرِد على المرء تَنقَسِم إلى ثلاثة أقسام:
الأوَّل: ما دلَّ الدليل على صِدْقه فيُصدَّق.
الثاني: ما دلَّ الدليل على كذِبه إمَّا لكون ناقِله معروفًا بالكذِب، وإمَّا لكونه مُستَحيل الوقوع، أو ما أَشبَه ذلك، فهذا يُكذَّب، ولا حرَجَ على مَن كذَّبه.
الثالِث: ما يَحتَمِل الصِّدْق ويَحتَمِل الكذِب، فهذا يُتَوقَّف فيه، ولا يُرَدُّ؛ لعدَم القيام على رَدِّه ولا يُقبَل لعدَم قيام الدَّليل على قَبوله.
ودليلُ هذا القِسمِ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
ولهذا في الآيات التي قبلَ هذه قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ﴾ وهنا قال: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ فذَمَّ الأوَّلَيْن وأَثنَى على الآخَرَيْن.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الصِّدْق من التَّقوَى، وتَصديق مَن قامت البَيِّنة على صِدْقه هو أيضًا من التَّقوى؛ لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابعَةُ: ومن فوائِدها الأُصولية: أن المَوْصول من صِيَغ العُموم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
[ ٢٤٥ ]