الْفَائِدَة الأُولَى: أنهم بتَقواهم يُكفِّر الله تعالى عنهم أَسوَأ أعمالهم لقوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الله تعالى يَجزيهم بأحسَنِ الجزاء، وقد بيَّن ذلك في الكِتاب والسُّنَّة بأن مَن جاء بالحَسَنة فله عَشْر أَمثالها إلى سَبْع مِئة ضِعْف إلى أضعافٍ كثيرة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الخطَراتِ التي تَخطُر على القُلوب لا حُكمَ لها؛ لقوله تعالى: ﴿الَّذِي عَمِلُوا﴾، ولقوله تعالى: ﴿الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقد جاء الحديث مُؤيِّدًا لذلك، فقال النبيُّ ﵊: "إِنَّ الله تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ" (١).
ولكن يَجِب على مَن كان له خطَراتٌ سيِّئة أن يُدافِعها بما يَستَطيع، ومِن
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، رقم (٦٦٦٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب، إذا لم تستقر، رقم (١٢٧)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٢٥٠ ]
مُدافعتها: أن يَستَعيذ بالله تعالى من الشيطان الرَّجيم، ويَنتَهي يَعنِي: يُعرِض عن هذه التَّقديراتِ، فإن ذلك يَزول، أمَّا إن خضَع لها واستَكان لها واستَمَرَّ فإنها تُهلِكه؛ لأن الشَّيْطان يَقيس قَلْب المرء، فإذا رآه لَيِّنًا هشًّا تَسلَّط عليه حتى يُخرِجه من دِينه ودُنياه - والعِياذُ بالله تعالى - وإذا كان صُلْبًا لا يَقدِر الشيطان أن يَنفُذ فيه، فإنه حينئذٍ يَكون قويًّا تَتكسَّر عليه عِظام الشيطان.
وقد أَوْصى شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ ﵀ تلميذَه ابنَ القَيِّم ﵀ حينما كان يَعرِض عليه بعضَ الشُّبُهات فقال ﵀: "لا تَجعَل قَلْبك كالإِسْفنجة؛ تَتشَرَّب الماء، ثُم لا يَخرُج منها إلَّا بعَصْرٍ، اجعَلْ قلبك كالزُّجاجة صافية يُرَى مِن ورائِها، ولا يَنفُذ إليها شيء يَرَى ما فيها" يَعنِي: ولا يَنفُذ إليها شيء من هذه الشُّبُهاتِ تَكون صافِيةً نقيَّةً خالية من الشُّبُهات، ولا يَنفُذ إليها شيء، وهكذا يَنبَغي للإنسان أن لا يَخضَع للشيطان في هذه الوَساوِس التي تَرِدُ عليه.
فإذا قال قائِل: هل الإرادة عمَل أو لا؟
أَقول: الإرادة عمَل لكنَّها عمَل قَلْب بخِلاف التَّحديث؛ لأن تَحديث النَّفْس لا يَعنِي الخُضوع للشيء، وإقرار الشيء، لكن الإرادة لا تَكون إلَّا بعد تقرير هذا الشيءِ؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊ في الرَّجُلين المُسلِمَيْن يَلتَقيان بسَيْفَيْهما فيَقتُل أحدُهما الآخَرَ قال: "إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ فِي النَّارِ" قالوا: يا رسول الله، هذا القاتِلُ فما بالُ المَقتول؟ قال: "لِأَنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ" (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، رقم (٣١)، ومسلم: كتاب الفتن، باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، رقم (٢٨٨٨)، من حديث أبي بكرة - ﵁ -.
[ ٢٥١ ]
ولمَّا ذكَر الرِّجال الأربعة، ومنهم رجُلٌ أَعطاه الله ﷾ المال فهو يُنفِقه في غير مَرضاة الله تعالى، فقال الرجُل الفقير: ليتَ لي مال فُلان فأَعمَل فيه كعمَل فُلان. قال: "فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ" (١)، مع أنه لم يَعمَل، لكن تمَنَّى وأَراد. والله تعالى أَعلَمُ.
وإذا أَخبَر مُخبِر بخبَر وهو يَظُنُّ أنه يُطابِق الواقِع وكان يُخالِف الواقِع هل يُسمَّى: كذِبًا؟ نعَمْ، يُسمَّى كاذِبًا، لكن ليس عليه إِثْم الكاذِب.
وإذا قال الرجُل: أَعبُد الله تعالى ليَرضَى الله. فهذا صحيح، وأمَّا قول الصُّوفية: أَعبُد الله لله. فهذا خطَأ؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ [المائدة: ٢]، فبَدَأ بالفضْل، وهذا في وَصْف الرسول ﵊ وأصحابه: حيث قال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: ٢٩].
ومثله في طلَب العِلْم؛ فنَقول: نحن نُخلِص لأَخْذ العِلْم، فإنه لا شَكَّ أن الإخلاص لله تعالى مَعونة، وسبَب لتَحصيل العِلْم وبرَكة العِلْم الإِخْلاص سبَبٌ لحُصول المَفقود والبَرَكة في المَوجود.
_________________
(١) أخرجه أحمد (٤/ ٢٣٠)، والترمذي: كتاب الزهد، باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر، رقم (٢٣٢٥)، وابن ماجه: كتاب الزهد، باب النية، رقم (٤٢٢٨)، من حديث أبي كبشة الأنماري - ﵁ -.
[ ٢٥٢ ]