الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان قوَّة سُلطان الله ﷿ وعُمومه؛ تُؤخَذ من كونه يَتصَرَّف هذا التَّصرُّفَ حتى في الأَنْفس يَتوَفَّاها جميعًا فيُرسِل هذه ويُمسِك هذه، وهذا دليلٌ على كَمال المِلْك والسُّلْطان.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن المُتوفِّيَ للأنفُس حين موتها هو الله ﷿؛ قال ﷾:
[ ٣٠٠ ]
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾، وهذا هو الواقِع، وهذا هو ما تَدُلُّ عليه الآية، ولكِنَّ هذه الدَّلالةَ ربما يُعارِضها بعض الآيات في قوله ﷾: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة: ١١]، فنَجِد أنه في آية الزُّمَر أَضاف الوفاة إلى نَفْسه ﷿، وفي آية السَّجْدة إلى مَلَك المَوْت، وفي سورة الأنعام إلى الرسول - ﷺ -: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾؛ فكيف نَجمَع بين هذه الآياتِ؟
فالجَوابُ على ذلك أن نَقول: يَجِب أن نَعلَم قاعِدة مُهِمَّة جِدًّا هو أنه لا يُمكِن أن يَتَعارَض دَليلانِ قَطعِيَّان أبدًا، لا من القُرآن ولا من السُّنَّة ولا من العَقْل أبَدًا؛ لأنهما لو تَعارَضا لكان أحدُهما ثابِتًا والآخَرُ مُنتَفيًا، وإذا قُلنا: الآخَرُ مُنتَفٍ زال عنه اسمُ القَطْعيِّ.
وهذه القاعِدةُ تُفيدك في مَسائِلَ كثيرةٍ؛ فمثَلًا لو قال لك قائِل: القرآن يَدُلُّ على كذا، ثُم ثبَتَ حِسًّا أن الأمر الواقِعَ على خِلاف هذا المَدلولِ، فالأمر الحِسِّيُّ تَكذيبه غير مُمكِن، لكن نَقول: إن فَهْمك للقرآن هذا خطَأ، فمثَلًا لو قال: ليسَتِ الأرض كُروية؛ لقول الله ﵎: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ٢٠]، واعتِقاد أنها كُروية يُكذِّب هذه، ودَلالة القُرآن قَطعيَّةُ الثُّبوت، وقَطعيُّ الثُّبوت يَعنِي: ثابِت قَطْعًا لا إِشكالَ فيه، والله تعالى يَقول: ﴿وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾، وكُروية الأرض حِسًّا ثابِتة قَطْعًا لا شَكَّ فيه وحِسًّا، فمثَلًا الآنَ لو تَقوم طائِرة من مطار جُدَّةَ مُتَّجِهة نحو الغَرْب على خَطًّ مُستَقيم رجَعَت إلى مَطارها لا يَرُدُّها شيء إِذَنْ هي كُروِيَّة لا إشكالَ فيها.
[ ٣٠١ ]
ونَقول الآية لَفْظها قَطعيُّ ثابِت، لكن دَلالتها على أنها سَطحٌ واحِد ليس بصحيح وليست بصَريحة، وإذا لم تَكُن الدَّلالة صريحة فهي غير قَطعية، وحِينئذٍ نَقول: التَّعارُض الآنَ بين مَدلولٍ ظَنِّيٍّ ومَحسوسٍ قَطعيٍّ، فالمَدلول الظَّنِّيُّ أن الآية تَدُلُّ على أن الأرض سَطحٌ واحِد، والمَحسوس القَطعيُّ أن الأرض كُروية، نَقول: الحَمْد لله تعالى التَّعارُض الآنَ بين ظَنِّيٍّ وقَطْعيٍّ، وإذا تَعارَض ظَنِّيٌّ وقَطْعيٌّ يُقدَّم القَطعيُّ، ونَقول: سَطْح الأرض باعتِبار القِطعة المُواجِهة أو الجانِب المُواجِه من الأرض سَطْح، لكن على البُعْد يَكون فيه انحِناءٌ.
والدَّليل على ذلك: أنه لو كانت سَفينة تَسير في البحر ولها أَعمِدة طويلة إذا أَبعَدَتْ عنك كلَّما أَبعَدَتِ اختَفَت غابَت أكثر؛ لأن الأرض مُستَديرة فتَغيب، ولو كانت سَطْحًا لكُنتَ تَراها، فتَراها من بُعْد كما تَراها من قُرب على السَّطْح، والأمر ظاهِر ليس فيه إشكال.
والخُلاصةُ الآنَ: أنه لا يُمكِن أن يَتَعارَض دَليلانِ قَطْعيَّان في الثُّبوت والدَّلالة، ولا يُمكِن أن يَتَعارَض قَطعيٌّ وظَنِّيٌّ؛ ومِثال ذلك: كم يَبقَى الناس في بُطون أُمَّهاتهم؟ الإجابة ستكون: تِسعة أَشهُر؛ فإذا قُلْت: أَعطوني تِسعَ دقائِقَ. فهل يُمكِن؟ لا يُمكِن؛ لأن الظَّنِّيَّ لا يُقاوِم القَطعيَّ، وإذا لم يُقاوِمه سقَط، فلا مُعارَضةَ، فيَبقَى الآنَ التَّعارُض بين الظَّنِّيَّيْن فقط، وإذا وُجِد تَعارُض بين ظَنِّيَّيْن حينئذٍ أَطلُب الترجيح، أو إذا كان النَّسْخ يُمكِن فأَعمَلُ بالنَّسْخ.
وهذه القاعِدةُ ذكَرها شيخُ الإسلام ﵀ في كِتابه العظيمِ (درء تَعارُض العقل والنقل) (١)، وهذا الكِتاب أَثنَى عليه ابنُ القيِّم ﵀ في النُّونية، فقال ﵀:
_________________
(١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ١٧٤).
[ ٣٠٢ ]
وَلَهُ كِتَابُ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ الَّذِي مَا فِي الْوُجُودِ لَهُ نَظِيرٌ ثَانِي (١)
يَعنِي: ممَّا يَرُدُّ به على الفلاسِفة هذا الكتابُ، وقد ذكَر فيه هذه القاعِدةَ المُفيدةَ، وهي أن التَّعارُض بين قَطعيَّيْن مُحال؛ لأنه لو حصَل التَّعارُض لكان أحدُهما غيرَ قطعيٍّ، وهذا لا يُمكِن؛ أمَّا التَّعارُض بين القَطعيِّ والظَّنيِّ فوارِد، لكن بلا مُقاوَمةٍ، يَعنِي: أن نُسقِط التَّعارُض، ونَقول: الحُكْم للقَطْعيِّ، أمَّا التَّعارُض بين الظَّنِّيَّيْن فواقِع، ويَجِب النظَر إليه والعمَل بالترجيح، أو العمَل بالنَّسْخ إذا كان ممَّا يُمكِن نَسْخه.
وبعد فهذه خُلاصة: الجَمْع بين الوفاة المُضافة إلى الله تعالى والوفاة المُضافة إلى الرُّسُل والمُضافة إلى مَلَك الموت، وكما قُلنا: لا تَعارُضَ، فالدَّلالة تَختَلِف، ففي هذه الآياتُ في سورة الزُّمَر أَضاف الله تعالى الوفاة إليه؛ لأنها بأَمْره، وقد يُضاف الشيء إلى آخَرَ؛ لوقوعه بأَمْره، كما تَقول: بنَى المَلِك قَصرًا. فهلِ المَلِك رأَيْته يَعمَل بأَيديه الأسمنت والرَّمْل ويَقول: (يا ولدُ هاتِ (الزِّنبيلَ) (٢)، وهات كذا، وهات كذا)؟ الجَوابُ: لا، ولكنه أَمَرَ، ومنه المثَل المَشهور في البلاغة: (بنَى عمرُو بن العاصِ مَدينة الفِسطاط) وهي تَقَع في مِصرَ، فهل عمرُو بنُ العاص - ﵁ - بناها بيَده؟ الجَوابُ: لا، بل أمَرَ، إِذَنْ فإضافة الوفاة إلى الله تعالى؛ لأنها بأَمْره إضافة.
وبَقِيَ عندنا الآنَ: إضافتها إلى ملَكِ الموت وإلى الرُّسُل فكيف الجَمْع؟
والجَمْع أن نَقول:
١ - إمَّا أن الرُّسُل يُراد بها الجِنْس ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] يَعنِي: ملَك الموت؛
_________________
(١) النونية (ص ٢٣٠).
(٢) وهو ما يُعمل من الخوص وغيره يحمل فيه التمر وغيره.
[ ٣٠٣ ]
لأن ملَك الموت رَسولٌ، ومنه الحديث: "يُوشِكَ أَنْ يَأْتِيَنِي رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ" (١).
٢ - أو نَقول: إن وفاة ملَك الموت غير وفاة الرُّسُل، وذلك لما جاء في الحديث من أن ملَك الموت يَجلِس إلى المُحتَضَر ويَأمُر رُوحه أن تَخرُج، فيَأخُذها بيَدِه، ثُم يُسلِمها فورًا إلى المَلائِكة الذين نزَلوا من السماء معَهم الحَنوط والكفَن المُناسِب لها إن كانت مُؤمِنة - وأَسأَل الله تعالى أن يَجعَل رُوحي وأَرْواحَكم مُؤمِنة -، فإنها تُجعَل في الكفَن الذي من الجَنَّة والحَنوط الذي من الجَنَّة، وإن كانتِ الأُخرى فكَفَنٌ من نار وحَنوطٌ من نار (٢)، نَعوذ بالله تعالى من ذلك؛ فهذا الكفَنُ والصعود بها إلى السماء تَتَولَّاه الملائِكة؛ ولهذا قال تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١، ٦٢]، تَحمِلها إلى الله ﷿ إن كانت مُؤمِنة تَجاوَز بها السمواتِ إلى الله تعالى؛ لأن الله تعالى غاية نَفْس المُؤمِن في الحياة وبعد الممات، والمُؤمِن - قَلْبه ونَفْسه - مُعلَّقٌ بالله ﷿، دائِمًا يَنظُر إلى الله ﷿ بعَيْن البَصيرة، إن قام فبالله ولله وفي الله، وإن قعَد فبالله ولله وفي الله، وكذلك إن ذهَب وجاء فهو لله وبالله وفي الله.
والتَّفريق بين هذه الكلِماتِ الثلاثة (فهو لله وبالله وفي الله) سَهْل وهو أن لله أي: لأَجْل الله ﷿، وهو الإخلاص، وبالله يَعنِي: بعَوْن الله، وهي الاستِعانة، وفي الله أي: في سبيل الله، أي: في شَرْعه وحُكْمه كذا، وانظُرْ إلى الفاتِحة تَضمَّنَتِ الثلاثَ بالتَّسلسُل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فهذا لله إخلاص، ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بالله، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في الله، ففي الشَّرْع أن نَكون في الصِّراط المُستَقيم.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، رقم (٢٤٠٨)، من حديث زيد بن أرقم - ﵁ -.
(٢) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ٢٨٧)، من حديث البراء - ﵁ -.
[ ٣٠٤ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن النَّوْم يُسمَّى وفاةً؛ لقوله ﷾: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ويَشهَد لذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الوقت يَذهَب سريعًا بالنسبة للأموات ولو طالتِ الأيام والدُّهور؛ لأننا إذا قِسْنا الوفاة الصُّغرى أو إذا نظَرْنا الوفاة الصغرى وسُرْعة ذَهاب الوقت فيها فالوَفاة الكبرى من بابِ أَوْلى، ولكن لا شَكَّ أن مَن كان يُعذَّب في قَبْره فسوف يَستَطيل الوقت، ومَن كان يُنعَّم فسوف يَكون الوقت في حقِّه قَصيرًا، ومع ذلك فإن المُنعَّم يَقول: ربِّ أَقِمِ الساعة، ربِّ أَقِمِ الساعة حتى أَرجِع إلى أهلي ومالي. والمُعذَّب يَقول: ربِّ لا تُقِمِ الساعةَ، وذلك لأنه يَرَى عذاب القبر أَهونَ من عذاب يوم القيامة، نَسأَل الله تعالى العافيةَ!.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن النائِم لا يُؤاخَذ بعمله، لا له ولا عليه؛ لأن الله تعالى سمَّى النَّوْم وفاةً، وقد قال النبيُّ ﵊: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ" (١). وعلى هذا فلو رأَى النائِمُ أنه يُصلِّي فهل يُكتَب له أجر الصلاة؟ لا، ولو رأَى أنه يَقتُل لم يُكتَب عليه إِثْم القَتْل؛ لأنه غير مُكلَّف.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات وصف الله تعالى بالإمساك والإرسال فهو يُمسِك ويُرسِل.
وقد بيَّنَّا فيما سبَق أن صِفاتِ الله ﷿ تَنقَسِم أقسامًا:
أحدُها: ما عُلِم من أسمائه كالمَغفِرة من الغَفور، والرَّحمة من الرَّحيم.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الوصية، باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته، رقم (١٦٣١)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣٠٥ ]
والثَّاني: ما نصَّ عليه بذاتِه وليسَ مِن الأسماءِ مِثل الاستِواء على العَرْش، فهذا نصَّ عليه، لكنه ليس من أسمائه، بل صِفَة، إِذْ إنه ليس من أسمائه ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، ومِثْله الصُّنْع كما في قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]، ومثله الفِعْل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] وما أَشبَهها.
الثالِث: ما يُخبَر به عنه، وإن لم يُذكَر في الكِتاب والسُّنَّة، لكن يُخبَر به عنه، فهذا أيضًا يَقول العلماءُ ﵏: يَنقَسِم إلى قِسْمين:
قِسْمٌ لا يَليق بالله تعالى فهذا لا يَجوز الخبَر به عنه.
وقِسْمٌ لا يُنافي كماله، فهذا لا بأسَ به؛ لأن باب الخبَر أَوْسَع من باب الإِنْشاء.
فمثَلًا: لو قال قائِل: إن الله تعالى مُريد.
قُلْنا: نعَمْ لك أن تَصِف الله تعالى به:
أوَّلًا: لأن الله تعالى وصَف نَفْسه بالإرادة في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس: ٨٢].
وثانيًا: أن الإرادة وَصْف لا يُنافي كمالُه كمالَ الله ﷿.
فائِدة: العَجيب أن أكثَرَ ما يَستَنصِر به بعض الناس كلِمة (الله مَوْجود)، فإذا اعتَدى عليه أحَدٌ قال: الله مَوجود. ومثلها قولهم: (يا ساتِرُ)، و(الله مَوْجود)، فهذا ممَّا لا يُنصَر، لكن قولنا: (اللهُ حكَم عَدْل) هذا هو الذي يُنصَر، وإلَّا مثلًا لو قلتَ: السُّلْطان موجود. فهل يَنصُرُك؟
الجَوابُ: أنه قد يَنصُرك وقد لا يَنصُرك، فكلِمة مَوْجود لا تَعنِي النَّصر؛ ولذلك نحن نَقول لبعض الناس: انتَبِهْ لهذه الكلِمةِ لا تَقُلِ: (الله مَوْجود) قلِ: (الله حكَمٌ
[ ٣٠٦ ]
عَدْل)، (الله غير غافِلٍ عمَّا تَعمَل)، (اللهُ يَنتَقِم من الظالِم)، وما أَشبَه ذلك.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: كمال أَفعال الله تعالى حيث إنها تَكون مُنتَظِمة مُحدَّدة؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه لا يُمكِن أن يُخلَّد أحَدٌ في الدنيا، وهذه تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ مُحدَّد لا إلى شيء لا غايةَ له.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن هذا الحاصِلَ من الوفاتين فيه آياتٌ تَدُلُّ على كَمال الله تعالى كمال وَحْدانِيَّته، وكمال سُلطانه، وكَمال تَدبيره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: الحثُّ على التَّفكُّر، وأنه مِفتاح العِلْم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ لمَن؟ الجَوابُ: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
والتَّفكُّر إنما يَكون في آياتِ الله تعالى ومَعاني أسمائه وصِفاته، أمَّا في حقيقة الصِّفات أو في حقيقة الذات فلا تَتَفكَّر؛ ولهذا يُروَى: "تَفَكَّروا في آلاءِ اللهِ" أي: نِعَمِه "وَلَا تَتَفكَّروا في ذاتِهِ" (١)، وذلك لأن التَّفكُّر في ذات الله تعالى يُؤدِّي إلى غَياهِبَ من الظُّلْم، ويُؤدِّي أحيانًا إلى التَّشكيك، وأحيانًا إلى التَّعطيل، وهذا هو الذي ضَرَّ أهل التَّعطيل - أَعنِي: التَّفكُّر في الذات -؛ لأن الذات لا يُمكِن الإحاطة بها، وما لا يُمكِن الإحاطة به فالتَّفكير فيه مَضيَعة للوقت، وهو في جانِب الربوبية خَطير على عقيدة الإنسان، فأنت تُفكِّر في آيات الله تعالى، وفي أسمائه، وفي صِفاته من حيث المَعنَى،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (٧/ ٢٢١٩)، وأبو الشيخ في العظمة رقم (١)، والطبراني في الأوسط رقم (٦٣١٩)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة رقم (٩٢٧)، والبيهقي في شعب الإيمان رقم (١١٩)، من حديث ابن عمر - ﵄ -.
[ ٣٠٧ ]
أمَّا في نَفْس الذات العَليَّة فلا تَستَطيع أن تُفكِّر ولا ماذا تَتَصوَّر؛ ولهذا يَجِب الإعراض عن هذه المَسأَلةِ.
[ ٣٠٨ ]