الْفَائِدَة الأُولَى: بيان كمال سُلطانِ الله ﷾ وأنَّه لو أراد شيئًا لم يَمْتَنع عليه؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.
ومن وجه آخر: أنَّ فيه ردًّا لاقتراحهم أو دعواهم بأنَّ الملائِكَة بنات الله أو المسيحَ أو عُزَيْرًا، فيقول: لو أراد الله أن يتَّخِذَ ولدًا لاصطفى ما يشاء دون أن يتَّخِذ ما ادَّعَوْه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات إرادة الله ﷿؛ لقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ﴾ وإرادة الله في فِعْله متَّفَقٌ عليها، لا نظُنُّ أنَّ أحدًا يخالف في أنَّ الله تعالى يريد فِعْله، ولكن هل تتعدَّى إلى فعل المخلوقِ أو لا؟
في هذا خلافٌ بين أهل السُّنَّة وأهل البِدْعة، فمنهم من قال: إنَّها تتعدَّى إلى فعل المخلوق وغالى في ذلك، وقال: إنَّ المخلوقَ ليس له إرادةٌ، وهذا قول الجَهْمِيَّة الجَبْرِيَّة.
ومنهم مَن قال: إنَّها تتعدَّى إلى فِعل المخلوق، لكنْ لا على سبيل الجَبْر، وهذا
[ ٤٢ ]
مذهبُ أهل السُّنَّة والجماعَة.
ومنهم مَن قال: إنَّها لا تتعدَّى إلى فعل المخلوق وأنَّ المخلوق مستقِلٌّ بفعله ولا إرادة لله تعالى فيه. وهذا مذهب القَدَرِيَّة مَجوسِ هذه الأُمَّة.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الأفعال الاختياريَّة لله ﷿؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والأفعال الاختياريَّة لله ثابتة بالسَّمْع والعَقْل؛ أما السَّمْع فما أكثرَ الأفعالَ التي يُضيفُها الله إلى نفسه! وأما العَقْل فلأنَّ الفاعِلَ بالاختيار أكْمَل ممن لا يفعل.
وذهبت الأشاعِرَة وغيرهم من المُعَطِّلَة إلى أنَّ الأفعال الاختياريَّة لا تقوم بالله ﷿ بحُجَّة أنَّ الفعل الحادِثَ يستلزِمُ حدوث الفاعل؛ ولا شك أن هذا قولٌ باطلٌ يستلزم لوازِمَ باطِلَة؛ منها: أنَّ الله ﷾ غيرُ قادر على الفعل، وهذا تنَقُّص لله ﷿ وتكذيبٌ لأخباره الكثيرة التي لا تُحصَر في إثبات الفعل له.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات المشيئة لله ﷿؛ لقوله: ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والمشيئة نقول فيها كما قلنا في الإرادة، من حيث تعلُّقُها فهي تتعلَّق بأفعال الله، وهل تتعلق بأفعالِ المخلوقِ؟ على الخلاف السابق الذي شرحناه في الإرادة.
لكن هنا أمرٌ يَجِبُ التنَبُّه له، وهو: أنَّ الإرادَةَ تَنْقَسِم إلى قسمين: إرادة شَرْعِيَّة، وإرادة كَوْنِيَّة؛ أما المشيئة فهي قِسْم واحد فقط.
فالإرادة الكَوْنِيَّة: تُرادِفُ المشيئة فهي بمعناها، فإذا قلتَ: (ما أرادَ الله كان) فهو بمعنى: ما شاء الله كان.
أما الإرادة الشَّرْعيَّة: فإنها تُرادِفُ المَحَبَّة؛ أي إنها تتعلَّق بما يحبه الله ﷿، فتقول: (إن الله يريد منا أن نَشْكُره).
[ ٤٣ ]
والفَرْقُ بين الإرادة الشَّرْعيَّة والكَوْنِيَّة من وجهين:
الوجه الأول: أنَّ الإرادَة الكَوْنِيَّة شامِلَة لما يحبُّه الله وما لا يحبُّه؛ فهو يريد الإيمان ويريد الكُفر، ويريد الطَّاعة ويريد الفِسْق، بالإرادة الكَوْنِيَّة؛ أما الإرادة الشَّرْعيَّة فإنها لا تتعلَّق إلا بما يحبه فقط، فلا يمكن أن تقول: إنَّ الله يُريدُ الفِسْقَ؛ أي: يحبُّه، هذا مستحيلٌ.
الوجه الثاني: الإرادة الكَوْنِيَّة لا بد فيها من وقوع المرادِ، يعني إذا أراد شيئًا كونًا لا بُدَّ أن يقع، والإرادة الشَّرْعيَّة قد يقع وقد لا يقع، فيريد منَّا ﷾ الإيمانَ والطَّاعة، فقد تُوجَد وقد لا تُوجَد.
وهذا هو الفرق بينهما، وبهذا تَنْحَلُّ إشكالاتٌ أوردها القَدَرِيَّة على أهل السُّنَّة، فقالوا لهم: إذا أثبَتُّم تعلُّقَ إرادة الله بكل شيء حتى في المعاصي لزمكم أنَّ الله يريد الشَّرَّ، فيكون الله - على تقدير قولهم -: شِرِّيرًا! نسأل الله العافِيَة!
ونقول: أما الإرادة الشَّرْعيَّة فإن الله لا يمكن أن يريد الشَّرَّ أبدًا، وأما الإرادة الكَوْنِيَّة فإنه يريد ما شاء، لكنَّ إرادته كونًا للشَّرِّ لها حكمة بالغةٌ كثيرة معروفة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تنزيهُ الله ﷿ عن كلِّ ما وصفه به الكافرون الجاحدون؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات ثلاثة أسماء من أسماء الله: (الله، والواحد، والقهَّار)، وكل اسمٍ يُثْبِتُه الله لنفسه فإنه يتضمَّن الصِّفَة التي اشْتُقَّ منها؛ فـ ﴿الله﴾ مُشْتَق من الأُلوهِيَّة ففيه إثباتُ الأُلوهِيَّة صفةً من صفاتِهِ، ﴿الْوَاحِدُ﴾: من الوحدانِيَّة، ففيه إثبات الوحدانِيَّة لله ﷿، ﴿الْقَهَّارُ﴾: من القهر، ففيه إثباتُ القهر لله ﷿، وأنه القهَّار الغلَّاب الغالِب لكلِّ شيءٍ.
[ ٤٤ ]