الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ القرآنَ الكريمَ يَفْتَحُ للإنسان الاستدلالَ العقليَّ؛ يعني أنه يعرض الأشياء عَرْضًا عقليًّا، وذلك بطلب التَّدَبُّر والتَّفهُّم؛ فمثلًا: من هو قانت ومن هو عاصٍ، بكل بساطَةٍ إذا عُرِضَت حال هذا وحال هذا على العقل سيقول: لا يَسْتويان؛ من هو قانِتٌ آناء اللَّيل ليس كَمَنْ هو عاصٍ.
وهذه من الطُّرُق التي ينبغي لطالب العلم - عند المناظرة - أن يتَّخِذَها سبيلًا إلى إفحام الخَصْم؛ لأنَّ كثيرًا من الخُصُوم قد لا يقْتَنِعون بمجَرَّد الدليل الأَثَرِيِّ فنسوق إليهم الدَّليلَ النَّظرِيَّ، ولا سيما في الوقت الحاضِرِ؛ حيث اتَّخَذ كثيرٌ من النَّاس - إن لم أقل: أكثرهم - طريق إبليسَ سبيلًا، وهو معارضة السمع بما يَظُنُّه عقلًا؛ يعني معارضة النُّصوص بما يظنُّون أنه عقل.
ونحن نعلم علم اليقين: أنَّه ليس في النُّصوصِ ما يخالِفُ العَقْل الصَّريحَ أبدًا، بل في النُّصوص ما يؤَيِّده العقل الصَّريح، ويكون هذا شاهِدًا؛ لهذا كلٌّ منهما يقوَّى بالآخَرِ.
[ ١٠٦ ]
وقد ذكر ابنُ القَيِّمِ ﵀ في النُّونِيَّة (١): أنَّ لدَيْنا أربعَةَ أدِلَّة، كلُّها يشهد بعضها لبعض، هي: الكتابُ والسُّنَّة والعَقْل والفِطْرة. وهذه الأدلة الأربعة لا يمكن أن تتناقَضَ أو تتنافَرَ، بل بعضها يؤيِّد بَعْضَها ويشهد له، والله أعلم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيان الفَرْق بين النَّاس في عبادة الله ﷿، وأنه لا سواء بَيْنَ من هو قانتٌ آناء اللَّيل ساجدًا وقائمًا إلخ، وبين من هو عاصٍ بعيدٌ عن الله ﷿.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن ظاهِرَها دوامُ الطاعة آناء اللَّيل في السُّجود والقيام؛ أي في الصلاة، ولكن السُّنَّة بَيَّنَتْ ذلك، وأنَّ الأَفْضَل في قيام اللَّيلِ أن ينامَ نِصْفَه، ويقوم ثلثه، وينام سُدُسَه. وهذا من تقييد القرآنِ بالسُّنَّة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: فضيلة صلاة اللَّيل؛ لقوله: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾، وقد دلَّت على ذلك السُّنَّةُ، فقال النَّبِي - ﷺ -: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ المَكْتُوبَةِ صَلَاةُ اللَّيلِ" (٢).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: فضيلة القيام والسُّجود من بين أركان الصَّلاة، وقد بيَّنَّا وجه ذلك أثناءَ التَّفْسير؛ أنَّ القيام شريفٌ بذِكْرِه، والسجود شريفٌ بِهَيْئَتِه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنه ينبغي للإنسان أن يكون في سَيْره إلى الله جامعًا بين الخَوْف والرَّجاء؛ لقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ﴾، ولكن هل يكونان سواءً، أو يُغلَّب جانب الرَّجاء، أو يُغَلَّب جانبُ الخوف؟
في هذا أقوالٌ لأربابِ السُّلوك؛ فمنهم من قال: ينبغي أن يكون رجاؤُه وخَوْفُه واحدًا كجَناحَيِ الطَّيْرِ، إذا مال أحدهما اختَلَّ طيرانه.
_________________
(١) النونية (ص ٦٧).
(٢) أخرجه مسلم: كتاب الصيام، باب فضل صوم المحرم، رقم (١١٦٣)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٠٧ ]
قال الإمام أحمد ﵀ (١): ينبغي أن يكون خَوْفُه ورجاؤه واحدًا، فأيُّهما غلب هَلَكَ صاحِبُه؛ لأنَّه إن غَلَّب جانِبَ الخَوْفِ أدخله في اليأس والقُنُوت، وإن غَلَّبَ جانِبَ الرَّجاء أدخله في الأَمْن من مَكْر الله.
وقال بعض أرباب السلوك: ينبغي أن يُغَلِّب جانِبَ الرَّجاء؛ لقول الله تعالى في الحديث القُدُسي: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَإِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ بِي شَرًّا فَلَهُ" (٢). وعلى هذا فيُغَلِّبُ جانِبَ الرَّجاء.
وقال بعض العلماء: يُغَلِّب عند فعل الطَّاعات جانِبَ الرَّجاء، فإذا فعل طاعة فلْيُغَلِّب جانب القَبول دون جانب الرَّدِّ، أما في فعل المعصية؛ فإن الأَوْلَى أن يُغَلِّبَ جانب الخَوْف؛ لئلَّا يقع في المعصية.
وقال بعضهم: في حال المَرَضِ يُغَلِّبُ جانب الرَّجاء، وفي حال الصِّحَّة يغلب جانب الخوف؛ لأنَّ النَّبِي - ﷺ - قال: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوْ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ" (٣) والمريض قد وُجِدَ فيه سَبَبُ الموت، وهو المرض، فيغَلِّب جانب الرجاء ليموت وهو يُحْسِن الظَّنَّ بالله.
ولو قال قائل: إنَّه يرجع في ذلك إلى نَفْسِ الإنسان، والإنسانُ هو طبيب نفسه؛ إن رأى من نفسه جُنوحًا إلى انتهاك المعاصي والمُحَرَّمات فَلْيَتَوَعَّدْها بالعذابِ حتى
_________________
(١) انظر: الاختيارات العلمية لابن تيمية (٥/ ٣٥٩).
(٢) أخرجه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، رقم (٧٤٠٥)، ومسلم: كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب الحث على ذكر الله تعالى، رقم (٢٦٧٥)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت، رقم (٢٨٧٧)، من حديث جابر - ﵁ -.
[ ١٠٨ ]
يرتَدِعَ، وإن رأى من نفسه قوةً على طاعَةِ الله ومثابرةً عليها وقيامًا بها فلْيُغَلِّبْ جانب الرَّجاء حتى يُحْسِن الظَّنَّ بالله، وهذا يرجع إلى الإنسان نفسه، والإنسانُ في بعض الأحيان يُغَلِّب هذا، وبعض الأحيان يُغَلِّب هذا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات عذابِ الآخرة؛ لقوله: ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ ولا يُحْذَر الشَّيْءُ إلا بثُبُوته، أَمَّا ما ليس بثابِتٍ فلا يُحْذَر.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنه في باب الجزاء والأَحْكامِ يُغَلَّبُ جانب الرُّبُوبِيَّة؛ لقوله: ﴿وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ لأنَّ الرُّبوبِيَّة هي التي بها التَّصَرُّف والسُّلطان.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؛ لقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشرَةُ: أن هذا النَّفْيَ أمرٌ مُعْتَرَفٌ به؛ لأنَّه جاء بصيغة الاسْتِفْهام، ونحن ذكرنا أنه إذا جاء الاسْتِفْهام مرادًا به النَّفْيُ صار مُشْرَبًا معنى التَّحدي.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: فضيلة العِلْم، ولكن يجب أن نَعْلَم أنَّ العِلْم يَشْرُف بِشَرَف مَوْضُوعِه، وعلى هذا فأفضل العلوم العِلْم بأسماء الله وصِفاتِهِ؛ لأنَّ هذا أشرفُ موضوعات العِلْم، ثم العِلْم بأحكامِهِ: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ" (١).
ثم تتلو العُلُوم حسب مراتِبِها، وأخَسُّ العلوم ما يَصُدُّ عن سبيل الله، وعن طريق السَّلَفِ الصَّالِح؛ مثل: علم الفلسفة، علم الكلام، وما أشبههما، إلا إذا تعَلَّمه الإنسان من أجل أن يَرُدَّ به على أهله، فهنا قد يكون تَعَلُّمه واجبًا؛ لأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِبٌ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرًا، رقم (٧١)، ومسلم: كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة، رقم (١٠٣٧)، من حديث معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -.
[ ١٠٩ ]
ولهذا أمر النَّبِي ﵊ زيدَ بْنَ ثابِتٍ - ﵁ -: أن يتَعَلَّم لغة اليهود (١)، مع أن تعلُّم اللغاتِ الأَجْنَبِيَّة ليس محمودًا ولا مأمورًا به، لكن لمَّا كان وسيلةً إلى مَعْرِفَة ما يأتي من الكتاباتِ من اليهود والرَّدِّ عليهم بِلُغَتِهِم أمره النَّبِي - ﷺ - أن يتعَلَّم لغة اليهود، وتَعَلَّمَ لُغَةَ اليهودِ في خلال سِتَّةَ عَشَرَ يومًا، لأنَّ زيد بن ثابت - ﵁ - من الأَذْكياء فتعَلَّمَها، ثم إنَّ اللغة العِبْرِيَّة قريبة من اللُّغَة العَربيَّة فسَهُل تَعْليمُها.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن أصحاب العُقُول هم أهل الاتِّعاظِ؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن من لا يتذكَّر فهو ناقِصُ العقل؛ لأنَّه إذا كان لا يتذَكَّر إلا أصحابُ العقولِ، فمن لا يتذكَّر يكون ناقِصَ العقل ولا شكَّ، ونقصان عقله بحسب نَقْصِه من التَّذَكُّر.
ووجه ذلك من النَّاحِيَة العَقْلِيَّة النَّظَرِيَّة: أنَّ الإنسان العاقل لا يمكن أن يختارَ لنفسه إلا ما فيه النَّجاةُ، ولا نجاة من عذاب الله إلا بالتَّذكُّر والاتِّعاظ، فلهذا كان العقل السليم يَسْتَلْزِم أن يتذكَّر الإنسان ويتَّعِظَ من أجل طلب ما هو أحضُّ للنفس وأَنْفَع ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: ٤].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: الثَّناء على ذوي العقول؛ حيث جعلهم هم المتذَكِّرينَ المُتَّعِظينَ المُنْتَفِعينَ بما يسمعون.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٥/ ١٨٦)، وأبو داود: كتاب العلم، باب رواية حديث أهل الكتاب، رقم (٣٦٤٥)، والترمذي: كتاب الاستئذان، باب ما جاء في تعليم السريانية، رقم (٢٧١٥)، من حديث زيد بن ثابت - ﵁ -.
[ ١١٠ ]