الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه ينبغي للإنسانِ أن يُعْلِنَ بالحَقِّ الذي هو عليه، ولا يبالِي بمن خالَفَه؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ يعني: فلا أبالي بكم، أنا سأعبد الله وأسيرُ على الطَّريقَة السَّليمَة، وأنتم سيروا على ما شِئْتُم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مِن أشَدِّ النَّاس امتثالًا لأَمْرِ الله؛ لأنَّه قال فيما سبق: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - مُحْتاجٌ إلى العمل الذي يُنْجِيه من عذاب الله؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ بالياء بالإضافَةِ، وهو كذلك، ولمَّا حَدَّث أصحابه بأنه: "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ"، قالوا: ولا أَنْتَ يا رسول الله؟ قال: "وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللهُ بِرَحْمَتِهِ" (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب المرضى، باب تمني المريض الموت، رقم (٥٦٧٣)، ومسلم: كتاب صفة القيامة، باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى، رقم (٢٨١٦)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٣٥ ]
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تحريم عبادَةِ غَيْرِ الله؛ تؤخَذُ من قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ لأنَّنا ذَكَرْنا أنَّ الأَمْرَ هنا للتَّهْديد، ولا تهديدَ إلا على شيء مخالِفٍ ومَعْصِيَةٍ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إلخ؛ بيان أنَّ الخَسارة الفادِحَة التي ليس معها رِبْحٌ هي خسارة هؤلاء الذين خَسِروا أنْفُسَهم وأهليهم يومَ القِيامَة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارَةُ إلى أنَّ الشِّرْكَ هو سبب هذه الخَسَارَة؛ لأنه تلا قوله: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ أَهْلَ الشِّرْك يَوْمَ القيامة لا يَجْتَمِعون بأَهْليهم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أنَّ عُمُرَ الإنسان حقيقةً هو ما أمضاه في طاعَةِ الله؛ ولهذا وصَف الله هؤلاء بأنَّهُم قد خَسِرُوا أَنْفُسَهم؛ لأنَّهُم لم يعملوا خيرًا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ هذه الخَسارَةَ أعْظَمُ خَسارةٍ تكون؛ لقوله: ﴿أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾.
فضمير الفصل حرفٌ ليس اسمًا على القَوْلِ الرَّاجِحِ، فليس له مَحَلٌّ من الإعراب، لكنه يُؤْتَى به لفوائِدَ ثلاثٍ:
الأولى: حتى لا يَشْتَبِهَ الخَبَرُ بالصِّفَة؛ يعني: يَفْصِل بين الخَبَر والصِّفَة، ويظهر هذا بالمثال؛ فلو قُلْتَ: زيدٌ الفَاضِلُ فهنا يُحْتَمَل أن يكون الفاضِلُ صِفَةً، وأنَّ الخبر محذوفٌ؛ أي: زيدٌ الفاضِلُ في البيت مثلًا، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضِلُ. تعَيَّن أن تكون الفاضِلُ خبرًا.
[ ١٣٦ ]
الثانية: الحَصْر؛ فإنك إذا قُلْتَ: زيدٌ هو الفاضِلُ؛ يعني: لا غيره، بخلاف لو قلت: زيدٌ الفاضِلُ، فهو فاضل وقد يكون غَيْرُه فاضلًا أيضًا.
الثالثة: التَّوْكيد؛ لأنَّ قَوْلَ القائِلِ: زيدٌ هو الفاضل، أَوْكَدُ من قوله: زيدٌ الفاضل.
أما هو فليس له محلٌّ من الإعراب؛ ودليل ذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: ٤٠] ولو كان له مَحَلٌّ من الإعراب لكانَ مُبْتَدَأً ولَرُفِعَ الذي بعده، ولكانت الآيَةُ: لَعَلَّنَا نَتَّبعُ السَّحَرَةَ إن كانوا هُمُ الغالِبونَ.
[ ١٣٧ ]