* قالَ الله ﷿: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣].
* * *
ثم قال: [﴿أَمْ﴾ بل ﴿يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ محمدٌ؟ لا].
﴿أَمْ﴾ يقول المُفَسِّر إنَّها بمعنى [بل] إذَنْ فهي للإضراب الإنتقاليِّ، وليست للإضراب الإبطاليِّ؛ لأنَّها لم تُبْطِل ما سَبَقَها، ولكنَّها مع ذلك مُضَمَّنةٌ معنى بل والهمزة، وأَصْلها: بل أَيَقُولون افْتَراه؟ والإسْتِفْهامُ في هذه الآية للإِنْكارِ بدليلِ قوله ﵀: [لا]، يعني أنه ليس مُفْترًى، والإفتراءُ معناه الكَذِب، فمعنى ﴿افْتَرَاهُ﴾ أي: كَذَب بادِّعائِهِ أنَّه من عند الله.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ﴾ أي: القرآنُ أو الكِتابُ؛ كما عبَّر الله به.
وقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ﴾ أي: الثَّابتُ الذي لا يَتَزَلْزَل، وهو الحقُّ المشتَمِلُ على كلِّ خيرٍ.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ حالٌ من قوله: ﴿هُوَ﴾ يعني: حالَ كَوْنِه من ربِّك، وتأمَّلْ في الآية الأُولى قال: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهنا قال: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ لأنَّ الذي اتُّهِمَ بالإفتراءِ هو الرَّسولُ - ﷺ -، فأراد الله تعالى أن يُبَيِّنَ أنَّ الرَّسولَ - ﷺ - لا يُمْكِن أن يَفْتَرِيَ الكَذِبَ؛ لأنَّ له من الله ربوبيَّةً خاصَّةً وهي قوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فالرُّبوبيَّةُ هنا
[ ١٤ ]
ربوبيَّة خاصَّة؛ ثم بيَّنَ الله الحكمةَ من ذلك قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ﴾ إلخ.
والحكمة من اختلافِ التَّعبيرِ بين قوله ﷾: ﴿مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله ﷾: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ وهو أنَّه لما أراد أن يتبع أمْر القرآنِ من حيثُ هو قرآنٌ بيَّن أنَّه نازلٌ من ربِّ العالمين الذي يَعْتَمِدُ عليه هؤلاء العالمَونَ، فنُزِّلَ عليهم الكتابُ؛ لأنه لما كان ربَّ العالمين وجب على جميع العالمَينَ أن يَقْبَلوا هذا وأنَّه من ربِّنا؛ أمَّا في قوله تعالى: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فلأنَّه لما نُسِبَ الرَّسولُ ﵊ إلى الكَذِبِ في هذا القرآن ذَكَرَ الله تعالى ربوبيَّتَه الخاصَّة: ﴿مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ﴾ إشارةً إلى أنَّه رسولُ الله، وأمَّا المُنْذِر في القرآن فهو ربُّه الذي يعتني به ويَرُبُّه ربوبيَّةً خاصَّةً.
ففي الأوَّل من حيث وَصْفُ القرآنِ بأنَّه قرآنٌ قال: ﴿تَنْزِيلُ مِنْ رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وفي الثاني قال: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ الذي يَرُبُّكَ ربوبيَّةً خاصَّة، وأنت مربوبٌ له.
قال ﷾: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا﴾ المفعولُ الثَّاني محذوفٌ تقديره (به)، ولكِنْ في المسألَةِ نَظَرٌ، إن كان مفعولًا به ففيه نظرٌ، ولكن لا شكَّ أنَّ التَّقْديرَ (به)، وأنه هو آلة الإنذارِ التي يُنْذَر به أي بِسَبَبِه، ولكن المفعول الثَّاني محذوفٌ عُرِف في غير ما ذكره المُفَسِّر ﵀: ﴿لِتُنْذِرَ﴾ به ﴿قَوْمًا﴾ العذاب، وإنما اخترت ذلك لما في قوله ﷿: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فُصِّلَت: ١٣]؛ وقد بيَّن الله ﷿ في آيةٍ أخرى ما هو المنذَرُ به.
قوله ﵀: [﴿مَا﴾ نافِيَة ﴿أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ بإنذارِكَ] قوله ﷾: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ﴾ يقول المُفَسِّر ﵀: إنَّ [﴿مَا﴾ نافية] وفي سورة يس: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس: ٦] وهذا الذي قرَّرَه المُفَسِّر ﵀ - أنَّ (ما) نافية - هو الصَّوابُ في إعرابها، وإن كان بعضُهُم ذكر
[ ١٥ ]
أنَّها اسمٌ موصولٌ؛ أي: لِتُنْذِرَ قومًا الذي أتاهُم مِن النُّذُرِ قبلك؛ يعني: تُنْذِرُهم العذابَ، وعلى هذا الرَّأي تكون (ما) اسمًا موصولًا، وهو المفعولُ الثاني في الجملة، لكنَّ الذي مشى عليه المُفَسِّر أَصْوَبُ: أنَّ ما نافية.
والخلاصةُ في إعراب (ما) قولانِ:
أحدهما: أنَّها نافِيَة، فيكون معنى الآيَةِ الكريمة: لِتُنْذِرَ قومًا لم يَأْتِهِمْ نذيرٌ قبلك.
القولُ الثاني: أنَّ ما اسمٌ موصولٌ؛ أي: لِتُنْذِرَ قومًا الذي أتاهم من النُّذُر قبلك.
والصَّواب الأوَّل.
والعرب لم يُرْسَلْ إليهم رسولٌ بعد إسماعيلَ إلا محمدٌ - ﷺ -؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊: "أَنا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ" (^١) في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ﴾ إلخ.
وقوله تعالى: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾، إِذَا قَالَ قَائِلٌ: ما هي الفائِدَةُ في وَصْف هؤلاء القومِ لِكَوْنِهِمْ لم يأتِهِمْ نذيرٌ من قبلُ؟
الجوابُ: الفائِدَة في ذلك أمران:
الأمرُ الأوَّلُ: بيانُ شدَّة حاجَتِهِم إلى الرَّسولِ ﵊ وأنَّهم في غايَةِ ما يكون من ضرورةٍ إلى بَعْثَتِه.
الأمرُ الثَّاني: بيانُ نِعْمَة الله عليهم بهذا الرَّسولِ ﵊؛ حيث إنَّه هو الرَّسولُ الذي أتاهم ولم يَأْتِهِمْ نذيرٌ مِن قبلِهِ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (٤/ ١٢٧)، والحاكم في المستدرك (٢/ ٤١٨)، من حديث العرباض بن سارية - ﵁ -.
[ ١٦ ]
قوله ﷾: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يكثُرُ في القرآنِ الكريمِ مثلُ هذا التَّعبيرِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩] فهل هو للرَّجاءِ أم للتوقُّعِ؟
الجوابُ: قال بعضُهُم: إنَّها للرَّجاء، ولكن باعتبارِ حالِ المخاطَبِ لا باعتبارِ حالِ المتكلِّم؛ لأن الرَّجاءَ هو الطَّمَعُ في نَيْلِ ما يَعْسُر إدراكُه، قد لا يتعذَّرُ، لكنه يؤمَّلُ إلا أنه فيه نوعُ شِدَّةٍ، والرَّبُّ ﷿ لا يُمْكِنُ وَصْفُه بهذا الوَصْفِ، فيكون مُتَرَجِّيًا باعتبارِ حالِ المخاطَبِ.
وجملة (لعلَّ) للتَّعليل، وكونُ الله ﷾ يجعل الشَّيءَ علَّةً للشَّيء؛ ليس فيه نَقْصٌ، بل هو من كماله ﷾ أن يبني من الأسبابَ أسبابًا.
يَرِدُ على هذا القَوْل: أن العلَّة ملازِمَةٌ للمعلولِ، فإذا قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لَزِمَ أن يهتدوا فما دَامَتْ علَّة، فالعِلَّةُ ملازِمَةٌ للمَعْلول: فلما جاءهم هذا النَّذيرُ يلزم اتِّباعُه.
والجوابُ على ذلك أن يُقالَ: إنَّ العلَّةَ علَّتانِ: عِلَّةٌ باعِثَةٌ، وعلَّةٌ غائِيَّةٌ، والعلَّةُ الباعِثَة مُوجِبة وغيرُ مُوجِبَة، وهذه كقوله ﷾: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] مع أنَّهم ما يعبدون الله كلُّهُم، وكقوله ﷾: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]. ومعلومٌ أنَّ كثيرًا من الرُّسُل ما أُطيعوا، فيكون هنا العِلَّة الباعِثَة غيرَ الموجِبَة؛ يعني أنَّ الحكمةَ من هذا هو هذا، ثم قد تَحْصُل وقد لا تَحْصُل، ومثَّلوا لذلك بقولهم: شَرَيْتُ القَلَمَ لأكتبَ به، أو لهذه الغايَةِ، ولكن: هل يلزَمُ أن تَكْتُبَ؟
الجوابُ: قد تكتب، وقد لا تَكْتُب.
[ ١٧ ]