* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ١١١ - ١١٥].
* * *
قال المُفسِّرُ ﵀: [﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾ نُصَدِّق ﴿لَكَ﴾ لِقَوْلِكَ ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ وَفِي قِرَاءَةٍ: "وَأَتْبَاعك" (^١) جَمْع تَابِع مُبْتَدَأ ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ السَّفِلَة كَالحَاكَةِ وَالْأَسَاكِفَة، ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي﴾ أَيّ عِلْمٍ لِي ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ﴾ مَا ﴿حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ فَيُجَازِيَهُمْ ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ مَا عِبْتُمُوهُمْ، ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ﴾ ما ﴿أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ بَيِّن الْإِنْذَار].
قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ إجابةٌ صريحةٌ قَبيحةٌ في الواقعِ؛ لأنَّ الإسْتِفهامَ هنا من إنكارٍ، وإتيانُ الإسْتِفهامِ منَ الإنكارِ والنفيِ أبلغُ منَ النفيِ المجرَّدِ، يَعْنِي: كيف نُؤْمِنُ لك، ولا يُمْكِنُ أنْ نُؤْمِنَ لكَ؟ وقَوْلُهُ: ﴿لَكَ﴾ ما قال: بِكَ، وقولُ المفسِّر: (لِقَوْلِك) فيه نَظَرٌ؛ لأنَّهم يُرِيدُونَ الإستكبارَ لا نفيَ مجرَّد التصديقِ، فيكون قولهُم: ﴿أَنُؤْمِنُ﴾ ضُمِّن مَعْنى (ننقاد).
قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ حاليَّة على تقديرِ (قد)، يَعْنِي: وقدِ اتَّبَعَكَ الأرذلونَ، يَعْنِي:
_________________
(١) النشر في القراءات العشر (٢/ ٣٣٥).
[ ١٩٤ ]
لا يُمْكِن أنْ نُؤْمِنَ لكَ.
قوله: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ أي الأنقصون من الخلق، وقَوْلُهُ: ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ فيها قراءتان: (وأتباعك) جمع: تابع، مبتدأ، و(الْأَرْذَلُونَ) خبرُه، أمَّا على قِراءَة ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ فـ (الأرذلونَ) فاعلٌ.
والمَعْنى: أنَّهم قالُوا: لو كَان أتباعُكَ المَلَأ والأشراف لاتَّبَعْنَاكَ، لكن أَتْبَاعك أراذلُ النَّاسِ، مِنَ الفُقَرَاءِ والسُّوقة، والَّذينَ لا يُقَدِّرُونَ الأمورَ ولا يَعْرِفُونها؛ فهم أراذلهم من حيثُ المالُ - على زَعْمِهِم - ويُمْكِنُ أنْ نقولَ: إنَّهم أراذلهُم من حيثُ الثقافةُ أيضًا والجاهُ والشرفُ، فهم أرذلُ الأراذلِ عندهم.
وهل هذا مانعٌ، فهو يوجه الخطابَ إليكم أيها الأكملونَ، فكيف تقولونَ: لا نؤمن وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ؟ فالخطابُ موجَّه لكم؛ لأنكم لو آمنتم ما احتيجَ إلى توجيهِ الخطابِ والأمر لكم بتقوى اللهِ، وطاعته، ولكنَّكم مُعانِدونَ.
وهنا قالُوا: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ على سبيلِ الإطلاقِ بدونِ إضافةٍ إلى أحدٍ، وفي سُورةِ هُود قالُوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧]، فكَانت العبارةُ هناك أهونَ من هذه من جهتينِ:
أوَّلًا: لأنَّهم أَضافوا الأمرَ إليهم، وهنا أَطلقوا.
ثانيًا: أنَّهم هناكَ قالُوا: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ يَعْنِي: ولعلَّه عند التأمُّل لا يكونُ الأراذلُ همُ الأتباعَ، وهنا أَطلقوا فما قالُوا: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ ولا آخر الرأيِ، فإمَّا أن تكونَ هذه الآيةُ قبلَ تلكَ أو تلكَ قبلَ هذهِ.
ويَحتمِل أنَّ هذا قولُ طائفةٍ، وهذا قالَتْهُ طائفةٌ أُخرى، لكن حمْله على حالينِ
[ ١٩٥ ]
أحسنُ من حملِهِ على طائفتينِ، فأوَّلُ التبليغِ يكونُ الإنكار أَشَدّ، و﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ على الْعُموم، ثم قالُوا: ﴿أَرَاذِلُنَا﴾ للتخصيص.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَمَا عِلْمِي﴾ أيّ عِلْم لي ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾]، فقد يُقال في بادئ الأمر: إن اعتذارهم منه يَعْنِي: كَوْنهم آمنوا وهم على زَعْمِكم ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾ أنا لا أدري أنَّهم الأرذلون؟ يَعْنِي: فأنا ما قَصَدتهم حتَّى آمنوا لعلمٍ بهم، ولكن هكذا جَرَتِ الدعوةُ، فاتَّبعها هؤُلاءِ، فهذا ما يَتَبَادَرُ إلى الذِّهن في أوَّل الأمرِ.
ولكن الظَّاهر - واللهُ أعلمُ - أن نفيَه العِلْم هنا نفيٌ للتَّبَعِيَّةِ، يَعْنِي: أيّ شَيْء يكون عليَّ وأيّ شَيْء يلحقني بعملهم؟ فلو كانوا هم الأراذلَ على زَعْمِكُم، فأنا لا يَضُرُّنِي ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَمَا عِلْمِي﴾ أي: ما حسابي، وما التَّبِعَةُ الَّتي تُلحِقوني بها فيما كَانوا يَعْمَلُونَ؟
وقال المفسِّر: [﴿وَمَا عِلْمِي﴾ أيّ علم لي ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾]، أي أنَّهم يَدَّعُونَ أنَّهم إنَّما تابَعُوه لِيَنَالُوا بذلك جاهًا ومالًا، فيكونون غيرَ مخلصينَ في إيمانهم، فالمَعْنى: بما كَانوا يَعْمَلُونه من أعمالِ القلوبِ، على أنَّ هذا ليسَ بظاهرٍ، ولكن هذا خلاف الظَّاهرِ فيما يَبْدُو.
بل إن المَعْنى: إن عَمَلَهُم هذا ليس عليَّ فيه تَبِعة مهما عَمِلوا، ولو كَانوا في زَعْمِكُمُ الأراذلَ؛ فإن ذلك لا يلحقني بشيْءٍ ما دامتْ رِسالتي قائمةً، وآياتي بيِّنة، فالحُجَّة عليكم قائمةٌ، أمَّا هم حتى وإن كَانوا الأراذلَ عندكم، فحِسابُهم على رَبِّي.
[ ١٩٦ ]
و﴿إِنْ﴾ بمَعْنى (ما): فما حِسَابُهُمْ - كما قال المُفَسِّر- ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ فيُجَازِيَهم، وأمَّا أنا فما عليَّ مِن حِسابهم مِن شَيْءٍ، كما أنه ليْسَ عليَّ أيضًا من حسابِكم مِن شَيْءٍ.
أمَّا كونُ عَمَلِ هؤلاءِ بالقلوبِ فليس بظاهرٍ؛ يَعْنِي: حِسَابهم على ربِّي حتى لو عَمِلُوا هذه الأعمالَ؛ لأنَّ أعمالَ البواطنِ لا يُمْكِنُ أنْ يُقدَحوا بها، ولو قُدِحُوا بهم ما قُبلَ، فيقول: حسابُهم على اللهِ ليس عليَّ، وأنا ما عليَّ إلا تَبْلِيغ الرِّسالة.
وقَوْلهُ: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ الشُّعورُ هنا بِمَعْنى: العِلْم، قال المُفسِّر ﵀: [ما عِبتموهم]، يَعْنِي: ما قَدَحْتُم فيهم، يَعْنِي: لو أنَّكم تَشْعُرُونَ بالأمرِ وتَعْلَمُونه ما عِبْتُمُوهم بِقَوْلِكُمْ: أَرَاذِلُنَا، ولكن عَيبهم إيَّاهم في الواقعِ لأنَهم آمَنُوا بِنُوحٍ، فهم أراذلُ عنْدَهُم لأنَّهم آمَنُوا بمَن يَرَوْن أنَّه ليسَ على حقٍّ، ومعلومٌ أنَّ مَنِ اتَّبعَ مَن ليسَ بحقٍّ فهو مِن أراذلِ النَّاسِ معنًى، وإنْ لم يكنْ من أراذلهم حِسًّا، فالذي يَتَّبعُ مَن لم تَقُمْ عليه البَيِّنَةُ، فهو من أراذلِ النَّاسِ معنًى، وإنْ كَان فيما بينَ النَّاسِ قد يكونُ له جاهٌ، ويكون عزيزًا.
فالمَعْنى: لو تَشْعُرون بالأمرِ على حقيقتِهِ لَعَرَفْتُم أنَّهم ليسوا بأراذلَ، وأن حِسَابَهم ليسَ عليَّ، وأنَّ عليَّ واجبًا وعليهم واجب.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا يُشْعِر بأنَّه عَلِم إِخلاصَهُم، وأنَّهم إنَّما قالُوا: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ تَلميحًا لِطَرْدِهِمْ بلا شكّ، فهذا الَّذي قالُوه كَأنَّهم يقولون: نحنُ نَأْنَفُ أن نكونَ معَكَ ومعك هؤُلاءِ الأرذلونَ، فنكون نحنُ على اليمينِ وهم على اليَسارِ، أو على اليسارِ وهم على اليمينِ، فلا بُدَّ أنْ تَطْرُدَهُمْ لِنُؤْمِنَ،
[ ١٩٧ ]
فقال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأكَّد قولَه بالباءِ، يَعْنِي: لا يُمْكِن أنْ أَطْرُدَهُمْ أبدًا؛ لأنني أنا دَعَوْتُهم إلى الإيمانِ فآمَنُوا، فكَانَ حَقّهم عليَّ الإكرام.
وهذا الَّذي قالَه قومُ نوحٍ، وهو أوَّل الرُّسُل، قالَه قومُ محُمَّدٍ - ﷺ - وهو آخِر الرُّسُلِ، فقال الله تَعالَى له: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]، فهذا دَأْبُ المُكَذِّبينَ للرُّسُلِ، ما عنْدَهُم شَيْءٌ يَعْتَمِدُونَ عليه سِوَى التَّمْوِيهِ والتضليلِ وزخارِفِ القولِ، الَّتي لا تَنْطِلي إلَّا على العُميانِ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿إِنْ﴾ ما ﴿أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾]. والنَّذيرُ هو المُخْبِرُ بما يخوِّف، يَعْنِي الإعلامَ المَقْرُون بالتَّخْوِيف.
وقوله تعالى: ﴿مُبِينٌ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بَيِّن الْإِنْذَار]، فجعلَهُ المُفَسِّر مِن (أبَانَ) اللازِمِ، معَ أنه يَحْتَمِل أنه مِن (أبانَ) المتعدِّي، فتكون بمَعْنى: مُظْهِرٍ، يَعْنِي: إني مُظْهِرٌ لِمَا جِئتُ به، فأنا نَذير مبيّن للناسِ.