* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٦ - ٤٨].
* * *
لَمَّا رأى السَّحَرَة، وهم أعلمُ النَّاسِ بالسِّحرِ وآثارِه وتأثيرِه، لَمَّا رَأَوْا ما تَفْعَلُه هَذِهِ العصَا الَّتِي وَضَعَها مِن يَدِهِ وهم يُشاهِدون، عرَفوا أن الأمر لَيْسَ بسحرٍ؛ لِأَنَّ سِحْرَهم أقوى ما يكونُ من السِّحرِ وأكثره.
وكان السِّحرُ فِي ذلك الوقتِ أيضًا شائعًا، ولهذا جاءتْ آيةُ مُوسَى بشيْءٍ يُشْبِهُه؛ بنوعٍ منه، ولكن هم عرَفوا أن هَذَا لَيْسَ بسحرٍ، وأنه فوقَ طاقةِ السَّحَرَةِ، فماذا حصل؟ ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾.
قال: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ ولم يقلْ: فسجدَ السَّحَرَةُ، كأن هَذَا السُّجود أمر اضطراريّ؛ لقوّة ما دَفَعَهم إليه، يعني: لا كأنه أمر اختياريّ، لكن لقوة الدافعِ صار كأنَّهم أُلْقُوا إلقاءً بدونِ اختيارٍ.
و﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ﴾ (أل) للعُمومِ، يعني: جميع السَّحَرَة مع مَهَارَتِهِم ومَعْرِفَتِهِم أُلْقُوا سَاجِدِينَ لله، بدليل قولهم: ﴿قَالُوا آمَنَّا﴾، وليسوا ساجدينَ تعظيمًا لعصا مُوسَى؛ لِأَنَّ تصرَيحهم بالإيمانِ دليلٌ عَلَى أَنَّهُم ساجدونَ لله ﷾: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ هَذَا البدلُ من أحسن ما يكون بعد الْعُمومِ
[ ١٠٤ ]
﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لِأَنَّ مُوسَى كَانَ يقول: إنه رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فقالوا: ربّ العالمينَ، وكان فِرْعَوْن أيضًا يقول: إنه ربُّ العالمينَ، فأَخرجوا ربوبيَّة فِرْعَوْن بقولهم: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ وإنْ كَانَ يدّعي أَنَّهُ ربّ العالمينَ، لكنّه لَيْسَ ربَّ مُوسَى وهارونَ؛ لِأَنَّ مُوسَى وهارون يُنكرانِ رُبُوبِيَّتَه، فلذلك كَانَ هَذَا البدلُ من أحسن ما يكون فِي بيانِ المُرادِ.
وإتيانهم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ دون أن يأتوا مباشرةً بربّ مُوسَى وهارونَ، إشارة إِلَى أَنَّهُم آمَنُوا برسالةِ مُوسَى؛ لِأَنَّ مُوسَى قَالَ: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ما قَالَ: أنا رسولُ ربي، قَالَ: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هَذِهِ هِيَ فائدةُ البدلِ بقوله: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، والترتيب هنا بين مُوسَى وهارون ترتيبٌ يطابقُ الواقعَ؛ فإنَّ مَرْتَبَةَ مُوسَى أعلى من مرتبةِ هارونَ؛ لِأَنَّ مُوسَى من أُولي العزمِ.
ولكن الترتيب اختلفَ فِي سُورَة طه: ﴿بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]، من أجل مراعاةِ الفواصلِ، وفي هَذَا دليلٌ عَلَى أنَّ القُرآنَ الكريمَ وكل كَلام فصيح قد تُراعى فيه الفواصلُ والنغماتُ، لكن فِي الأمرِ المعلومِ، فمن المعلوم أن مُوسَى أفضلُ من هارونَ، وترتيبه فِي الذكرِ لا أحدَ يَتَوَهَّمُ منه أن هارونَ أعلى منه مرتبة، فالتقديمُ له غايةٌ، ولهذا قال الرسولُ ﵊: "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" (^١).
يقول المُفسِّر ﵀: [﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ لِعِلْمِهم بأنّ ما شَاهَدوه منَ العَصا لا يتأتّى بالسِّحرِ]، فلما آمنوا هَذَا الإيمانَ أَعْلَنُوه إعلانًا غيرَ مُبالينَ بما يَنْتُجُ وراءَ ذلك؛ لِأَنَّ الإيمانَ الصادقَ يَقضي عَلَى كلِّ عاطفةٍ، فعاطفةُ حبِّ النَّفسِ أمرٌ جِبِلِّيٌّ فِطْرِيّ، لكن الإيمان يَقضي عليها، ولهذا الْإِنْسَان يُعَرِّض نفسَه للهلاكِ حينما
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي - ﷺ -، رقم (١٢١٨).
[ ١٠٥ ]
يخرجُ مجاهدًا فِي سبيلِ اللهِ وَهُوَ يعرِف أن سيوفَ القومِ قد تَبْتُرُ رَقَبَتَهُ، لكنه لا يبالي، وكذلك الْإِنْسَان يَنسَى العاطفةَ بينه وبين أقاربِه، حَتَّى إن الرَّجُل لَيَقْتُلُ أباهُ إذا كَانَ من الكفّار.
فهنا قالوا معلنينَ هَذَا الإعلانَ غيرَ مُبالينَ بما يَنْتُجُ، وفي ظنِّي أَنَّهُم سَيَعْلَمُون أَنَّهُ سَيَنْتُجُ عن ذلك أمرٌ عظيمٌ؛ لِأَنَّ فِرْعَوْنَ جاء بهم كسلاحٍ له، فإذا خَانُوه فِي هَذَا المجتمعِ العظيمِ، وَهُوَ يومُ الزِّينة، فسَيَنْتُجُ عن هَذَا العُقوبات، إلا أَنَّهُم غيرُ مبالينَ بهذا؛ لِمَا أشرنا إليه قبلُ.
فائدة: فِي سُورَة طه قال تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (٧٣) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٢ - ٧٤]، قوله: ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ تَبَعٌ مِن كَلامهم هم، لكن: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ قد يَحْتَمِل أن يكونَ من كَلامهم أو من كَلام اللهِ.