* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٦ - ٩٨].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالُوا﴾ أي الغَاوُونَ ﴿وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ﴾ معَ مَعْبُودِيهم ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾]، لكن هَذَا الإقرار يَنْفَعُ لو كَانَ فِي الدُّنيا، فهم يَتَخَاصَمُونَ: العابد والمعبودُ، والتابِعُ والمتبوعُ يومَ القيامةِ، كما قالَ الله ﵎: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٦]، وكذلك أيضًا: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ: ٣٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، وهكذا ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
فهَؤُلَاءِ الَّذين كانوا فِي الدنيا عَلَى ضلالٍ وعلى باطلٍ يومَ القيامةِ كما قالَ الخليلُ: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٥]، ونحنُ نَسْتَعْرِضُ مثلَ هَذِهِ الآيَاتِ ونعِظ النَّاس بها، ونقول لكلِّ قومٍ اجتمعوا عَلَى فسادٍ: سَتَزُولُ يومَ القيامةِ هَذِهِ المَحَبَّةُ بينَهم، وهذه الرابطةُ، ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بعضٍ، ويَلْعَن بعضُهم بعضًا، ونذكّرهم بهذا الأمرِ الَّذِي فِي الحَقِيقَةِ لَيْسَ ببعيدٍ، فما بينَهم وبينَه إلَّا أنْ تَخْرُجَ أَرْوَاحُهُم من
[ ١٦٤ ]
أَجسامِهِم، ثم يَجِدونه، وخروجُ الرُّوحِ منَ الجَسَدِ لَيْسَ بِبَعيدٍ، فقد يكونُ قَريبًا جِدًّا، وكما قال أبو بكرٍ (^١):
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
وقد يكونُ غير قَريب جدًّا، ولكنَّه مؤخَّر لِأَجَلٍ مَعدودٍ، فإذا كَانَ اللهُ تعالى يقولُ فِي يوم القيامةِ: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤]، فكيفَ إذن بِأَجَلِ الْإِنْسَانِ نفسِهِ فيكون من باب أَولى!
قال: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ﴾ (تَاللهِ) هَذَا قَسَمٌ بحرفِ التاءِ. وحروفُ القَسَمِ ثلاثةٌ: الباءُ والواوُ والتاءُ، والأَصْلُ الباءُ، فهذه الحروفُ لَيْسَتْ كُلُّها أُصُولًا، فكلُّها يُقْسَمُ بها، لكن بعضها أَصْلٌ وبعضها غيرُ أصلٍ، مثل أنْ يُقال: كَانَ وأَخَوَاتُها مثلًا.
والدَّليلُ عَلَى أنَّ الباءَ الأَصْلُ أنَّ الباءَ تأتي معَ القَسَمِ وبدونِهِ، وتكون فِي الضَّمير والظَّاهر: (أُقْسِمُ باللهِ) و(أُقْسِمُ به) و(أُقْسِمُ بكَ يا ربِّ).
فلهذا نقولُ: هِيَ الأَصْلُ، حَتَّى ما تأتي إلا مَعَ الظَّاهرِ وبدونِ فِعْلِ القَسَمِ، وأيضًا ليستْ معَ كلِّ ظاهرٍ، وإنَّما تكونُ باللهِ فقطْ، وقد يُقْسَمُ بالرَّحْمنِ، فيُقال: (تَالرَّحْمنِ) وقد يُقْسَمُ بربِّ الكَعْبَةِ، لكن عَلَى قِلَّةٍ، والواوُ تدخُلُ عَلَى كلِّ ظاهِرٍ، فيُقْسَم بِهَا بكلِّ اسمٍ ظاهرٍ، سواء الله أو الرَّحْمن أو العَزِيز، وما أشبهَ ذلكَ، ولكنْ لا يُقْسَمُ بِهَا فِي المُضْمَرِ، ولا يأتي مَعَها غير القَسَم، وبهذا يَتَبَيَّنُ أنَّ الأُمَّ من هَذِهِ الثلاثةِ: الباءُ، ثُمَّ الواوُ، ثُمَّ التاءُ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب فضائل المدينة، باب كراهية النبي - ﷺ - أن تعرى المدينة، رقم (١٨٨٩).
[ ١٦٥ ]
قال: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (إِنْ) يقولُ المُفسِّرُ: [مُخَفَّفة مِنَ الثَّقيلة، واسمها محذوفٌ، أي: إنه]، أي: الفعل [﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بَيِّنٍ]، كلها بفعلٍ ماضٍ، ولم يُسْلَبْ منها الدلالة عَلَى الزمنِ؛ لِأَنَّ المُرادَ: كنَّا فِي الدنيا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بيِّنٍ ﴿إِذْ﴾ حَيْثُ ﴿نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فِي العِبَادَةِ]، وهذا صحيحٌ، فهذه غاية ما يَكُونُ مِنَ الضَّلالِ أنْ يُسَوِّيَ الْإِنْسَانُ المخلوقَ بالخالِق فِي العِبَادَةِ، وليستِ العبادةُ هِيَ الركوعَ والسجودَ فقطْ، بل حَتَّى مَن أطاعَ أحدًا فِي تَحريمِ ما أحلَّ اللهُ، أو تحليلِ ما حَرَّمَ اللهُ؛ فَإِنَّهُ عابدٌ له، كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]، قال عَدِيُّ بنُ حَاتِمٍ للنبيِّ - ﷺ -: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ - يعني: ما نعبدُ أَحبارنا ورُهْبَانَنا، يعني: عُلماءنا وعُبَّادنا - فقال النبي - ﷺ -: "أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ ". قال عَدِيٌّ: بلى. قَالَ: "فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ" (^١).
فهَؤُلَاءِ الَّذينَ يُطَبِّقُونَ أَنْظِمَة وضعيَّة معَ مُخَالَفَتِها للشَّرع، فيكون مآلهم يومَ القيامةِ كهَؤُلَاءِ، يعني: يَتَبَرَّءُونَ منهم ويُخاصِمُونهم، ويقولون مُقِرِّينَ عَلَى أنفسهم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
فمثلًا: الْإِنْسَان يقولُ له اللهُ فِي كِتَابِهِ وعلى لسانِ رسولِهِ ﵊: هَذَا حلالٌ، فيقول له الحاكِمُ: هَذَا حرامٌ مَمْنُوعٌ، فيَمْنَعُه، ويَرَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ؛ معَ تحليلِ اللهِ له، فلا شكّ أَنَّهُ اتَّخَذَ هَذَا الحاكِمَ إلهًا معَ اللهِ مُشَرِّعًا، كذلك يقولُ له مثلًا ربُّه:
_________________
(١) أخرجه الترمذي: أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، رقم (٣٠٩٥)، واللفظ للطبراني فِي الكبير (١٧/ ٩٢، رقم ٢١٨).
[ ١٦٦ ]
هَذَا حرامٌ، فيأتي هَذَا الحاكِمُ ويقولُ: النِّظَامُ أو الدُّسْتُورُ يَقْتَضِي الحِلَّ، فيُحِلّه، فلا شكّ أيضًا أَنَّهُ اتَّخَذَ هَذَا الحاكِمَ إلهًا معَ اللهِ، وسيكونُ مآلُهُ مآلَ هَؤُلَاءِ القومِ، سَيُخَاصِمُهُ يومَ القيامةِ ويقولُ له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ولهذا جاء فِي الحديثِ الصَّحيحِ أنَّ النبيَّ ﵊ قَالَ: "إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ" (^١)، يعني طاعة وَلِيِّ الأمرِ فِي المعروفِ، الَّذِي عَرَّفَهُ الشرعُ.
فَإِنْ قِيلَ: كيف يتصوَّر أن أصحاب النارِ يَتجادلون حالَ العذابِ؟
فالجَواب: أحوالُ الآخِرَةِ لا تُقاسُ بأحوالِ الدنيا، أليستِ الشَّمْسُ تَدْنُو مِنَ الخَلائقِ يومَ القيامةِ بِمِقْدَارِ مِيلٍ؟ ! لو قُرِّبَتِ الشَّمْسُ مِقْدَار أُنْمُلَة عن مَكانها، لَأَحْرَقَتِ الدنيا إِحراقًا، وتكون يومَ القيامةِ بمقدارِ مِيلٍ ولا تُحْرِق النَّاسَ! فلا يُمْكِن أنْ تُقاسَ أحوالُ الآخِرَةِ بأحوالِ الدنيا أبدًا، كما أنَّ أحوالَ البَرْزَخِ إذا ماتَ الْإِنْسَانُ وأُقعِدَ وسُئِلَ وعُذّب، فلا تُقاسُ بأحوالِ الدنيا.
الحاصلُ أنَّ اللهَ تعالَى يقولُ لِهَؤُلَاءِ الَّذينَ اتَّخَذُوا معبودينَ سِواه، سواء كانتْ عبادةَ التذلُّل، أم عبادة الحُكْم، يقول لهم: إنهم يُكَبْكَبُونَ فِي نارِ جَهَنَّم، ويَخْتَصِمون فيها، ويقول التابعونَ للمتبوعينَ: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، رقم (٧١٤٥)، ومسلم: كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء فِي غير معصية، وتحريمها فِي المعصية، رقم (١٨٤٠).
[ ١٦٧ ]