* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ١٥].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿قَالَ﴾ تعالى: ﴿كَلَّا﴾ لا يَقْتُلُونَكَ ﴿فَاذْهَبَا﴾ أي: أنت وأخوك، ففيه تغليبُ الحاضرِ عَلَى الغائبِ]، وفيه أيضًا أن الله تعالى أجابَ دعاءَ مُوسَى، كما قال فِي سُورة طه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ٣٦]، أجابه وأرسلَ إِلَى هارونَ بالرِّسالَةِ.
قال: ﴿فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا﴾ الباء للمصاحبةِ، أي مصاحبيْن بآياتِ اللهِ، أي: العلامات الخاصَّة به، الَّتِي تدل عليه وحدَه دون غيره، والآيَات الَّتِي ذهب بِهَا هِيَ الوحيُ، والثَّانيةُ قَلْبُ العصا، والثالثة اليَدُ.
هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي كانتْ عندَ الوحيِ إليه ثم تلاها بعدَ ذلكَ تسعُ آياتٍ كما هُوَ واضحٌ. وهذه الآيَات ثلاثٌ: منها آيةٌ مَعنويَّة، وآيتانِ حِسِّيَّتَانِ مناسبتانِ للسحرةِ؛ لِأَنَّ انقلابَ العصا حَيَّةً يُشْبِه السِّحرَ وليسَ بسِحر، لِأَنَّ هَذَا حقيقة، والسِّحر خيالٌ، وأيضًا كون اليد إذا أَدخلها فِي جَيْبِهِ تَخْرُج بيضاءَ من غير سُوء، يعني: من غير ضررٍ ونقصٍ، هَذَا أيضًا يشبه السِّحرَ، ولكنه لَيْسَ بسحرٍ، ففيه آيةٌ من آياتِ اللهِ ﷾ المعجِزة لهَؤُلَاءِ أنْ يأتوا بِمِثْلِها.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ ما تقولونَ وما يُقال لكم، أُجْرِيَ
[ ٤٩ ]
مجرَى الجماعةِ]. قَالَ: إنّ الضَّمير لله ﷾ بلفظ الغلبةِ، مع أَنَّهُ فِي سُورَة طه قَالَ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، لكن هنا ذكر ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾، وكانت المُبالَغة حصلتْ بانضمامِ الأمرينِ: السمع والرُّؤية، وهنا ما ذكر إلا الإستماع فقطْ، ولهذا جاء فِي صورةِ العَظَمَةِ بالنِّسبةِ للمبتدأِ، فقال: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ ولم يقلْ: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ كما قال فِي سُورَة طه، يقول المُفسِّر: [أجري مجرى الجماعة].
فالجَواب عن هَذَا ما قال المُفسِّر: [أجري الإثنان مجرى الجماعة]، وإذا قلنا: إن أقلَّ الجمعِ اثنانِ نقول: هَذَا وإن كَانَ بلفظِ الجمعِ لكنَّه دالٌّ عَلَى الإثنينِ باعتبارِ الوضعِ اللُّغويّ، فلا حاجةَ إِلَى التعيينِ.
وقيل: الجمعُ باعتبارِ ما مع مُوسَى وهارونَ من الآيَاتِ؛ كأنَّهم ثلاثٌ، وإن كانت الآيَات ليست آدميّة، ولكنها مؤيِّدة؛ لِأَنَّ التأييدَ يكون بالأدلَّة وبقوَّة الداعي والمستدلّ.
ويحتمل أيضًا أَنَّهُ جمع باعتبار أن مُوسَى وهارونَ سيكون لهما قومٌ وسيكونُ اجتماع مُوسَى وهارون بِقَوْمِهما.