* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَعَلَّكَ﴾ يا محمدُ ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتِلُها غَمًّا من أجلِ ﴿أَلَّا يَكُونُوا﴾ أي: أهل مكة ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ (ولعلَّ) هنا للإشفاقِ، أي: أَشْفِقْ عليها بتخفيفِ هَذَا الغَمِّ].
(لعل) للإشفاق، وتكون للتعليلِ وتكون للتَّرجِّي. فإذا تعلقتْ بمكروهٍ فهي للإشفاقِ، وإذا تعلَّقت بمحبوبٍ تكونُ للترجِّي، وإذا تعلقتْ بعلَّةٍ مِنَ العِلَلِ فهي للتعليلِ، وهي هنا للإشفاقِ، مثل أن تقول: (لعلَّ الحبيبَ هالِكٌ) فلا يمكن أن يكون قَصْدُك ترجِّيَ أنْ يَهْلَكَ حَبِيبُك، لكنَّك تُشفِق.
والله تعالى أشفقَ عَلَى نبيِّه - ﷺ - من أن يُهلِك نفسَه - يَقْتُلها منَ الغمِّ - بسببِ عدمِ إيمانهم، والرسول ﵊ يعاني من عدمِ إيمانهم، ومنَ المشقَّة الشديدةِ، ويحزن، ويضيق صدرُه ولكن الله تعالى يُسَلِّيهِ بمثل هَذِهِ الآية: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]، وهنا يقول: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ مهلكها ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ففي هَذَا دَليل عَلَى أن الْإِنْسَان الداعيَة لا يَنبغي أنْ يُهْلِكَ نفسَه فِي الهَمِّ والغَمِّ لعدم قَبُولِ النَّاسِ للحقِّ؛ لأَنَّهُ إذا أتَى بما يَجِبُ عليه انشرحَ صدرُه، وكفى. فأنت أتيت بما يجب عليك من الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ، ثم إنِ
[ ٢٠ ]
امتثلَ النَّاس فهو نِعمةٌ عَلَى الجميعِ، وإنْ لم يَمتثِلوا فلا تَغْتَمَّ؛ لأنك إذا اغتممتَ اشتغلتَ بغيرِكَ عن نفسِكَ، وصار هَمُّكَ وَلاء النَّاس، وهذا يُفسِد عليك أنت عباداتِكَ الخاصَّةَ، فاشتغِلْ بنفسِكَ، وغيرك أدِّ ما أوجبَ اللهُ عليك لهم، ثم إنِ اهتدوا، وإلَّا لستَ عليهم بِمُسَيْطِر. وبهذا يَستريح الْإِنْسَان راحةً عظيمةً ويكون مُقْبِلًا عَلَى عبادتِهِ، مُحْسِنًا لها.
فإن قالَ قائلٌ: بعض النَّاس الَّذين لا يَدْعون النَّاس لهم حُجَّةٌ فِي ذلك، ويقولون حديثًا عن الرسول - ﷺ -: "إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدعِ العَوَامَّ" (^١).
فالجَواب: قال "عَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ" فمِن خاصَّةِ نفسِكَ أن تأمرَ بالمعروفِ وتَنهَى عنِ المنكَر: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. فلا تَدَعْ نفسَكَ فِي ملاحقةِ النَّاسِ والإشتغال بهم عن دِينك.
ويُستفاد من الآية الكريمة: تَسلِيَة الرسول - ﷺ - لعدم إيمان قومه.
* * *
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي، رقم (٤٣٤١)، والترمذي: أبواب تفسير القرآن، باب ومن سورة المائدة، رقم (٣٠٥٨)، وابن ماجه: كتاب الفتن، باب قوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ١٠٥]، رقم (٤٠١٤).
[ ٢١ ]