* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٦٧].
* * *
يقول المُفسِّر ﵀: [﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ إغراقِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿لَآيَةً﴾]، وتفسيرُ المُفسِّر لِلمشارِ إليه فيه قُصُورٌ؛ لِأَنَّهُ ليستِ الآيةُ بإغراقِ فِرْعَوْنَ وقومِه فَحَسْب، ولكن بِفَلْقِ البحرِ، وكونه يَبَسًا، وإنجاء مُوسَى وقَوْمِه، وإغراق فِرْعَوْن وقومِه، ولو قيل: إنّ الإشارةَ تعودُ إِلَى كلِّ ما ذكرَ، يعني: إن فِي ذلك المذكور من قِصَّة مُوسَى ﴿لَآيَةً﴾ عَلامَة عَلَى قدرة الله ﷾ وعلى نَصْرِهِ لِأَوْلِيَائِهِ، فيكون مُتَضَمِّنًا لتسليةِ النبيِّ - ﷺ - وتحذير المُخَالِفِينَ له؛ لكانَ أَولى.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿لَآيَةً﴾ عِبرةً لِمَن بَعْدَهم]، واللامُ للتَّأكيدِ، ومَحَلُّها لام الإبتداء الَّتِي تكونُ فِي أوَّلِ الجُملةِ: (لئِنّ فِي ذلك)، لكن قال النَّحْوِيُّونَ فِي تَعليلهم لهذا: إنَّه لا يَنبغي أنْ يَجتمِعَ مؤكِّدان متواليانِ، فأخّروا اللامَ إِلَى ما تأخّر من خبر إنّ واسمها، والله أعلم هل هَذَا حقيقة أمْ أنَّ العربَ نَطَقُوا بِهَا هكذا.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ باللهِ، فلم يؤمنْ منهم غير آسِيَةَ امرأةِ فِرْعَوْنَ، وحِزقِيل مؤمن آل فِرْعَوْن، ومَرْيَم بنت ناموصى، الَّتِي دلَّتْ عَلَى عِظَام يُوسُفَ ﵇]. يجوز أن يكون: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ يعني: أكثر قومِ مُوسَى الَّذين أُرسل إليهم، ويجوزُ أن يكون: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾ أي: أكثر النَّاس
[ ١٤٦ ]
المخاطَبِينَ بهذا القُرآنِ، يعني: هَذَا فيه آيةٌ لكن ما كَانَ أكثر المخاطَبين بِهِ مُؤمِنينَ به.
والأَولى أن يُقال: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أَنَّهُ يعود عَلَى الَّذين نزلَ عليهم القُرآنُ، لا عَلَى بني إِسْرَائِيل، أو آل فِرْعَوْن.
وأمَّا ما ذكرهُ المُفسِّر فنقول: أمَّا امرأةُ فِرْعَوْنَ، فصحيحٌ أَنَّهَا آمنتْ، وأمَّا مؤمنُ آل فِرْعَوْنَ فصحيحٌ أنَّهُ آمن، لكنْ تَسْمِيَتُه بحِزْقِيل يَحتاجُ إِلَى دَليلٍ، والثالثة مَرْيَمُ بنتُ ناموصى، هَذِهِ لا ندري بعدُ من أين جاءتْ؟ ! وما سَمِعنا بِهَا إِلَى الآنَ، وقوله: [التي دَلَّتْ عَلَى عِظَام يُوسُفَ]، هُوَ ابنُ يَعقوبَ، ولا نَدري أين عِظَامُه، ثم إذا دلَّتْ عَلَى عِظامه فهي إِلَى الذمِّ أقربُ مِنَ المَدْحِ؛ لِأَنَّ العظامَ مُحْتَرَمَةٌ، والمفروضُ أَنَّهَا لا تُنبَشُ ولا يُسألُ عنها، ثم إن قولَه: [عِظَام يوسف]، هَذَا خطأ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ أن اللهَ حرَّم عَلَى الأرضِ أن تأكلَ أجسادَ الأَنْبياءِ (^١)، فكيفَ يُقالُ: ما بَقِي إلا عِظَامُه؟ !
الحاصلُ أنَّ مثل هَذِهِ الإِسْرَائِيليَّات يُؤسَفُ مِنَ المُفسِّر ومن غيرِه أنْ يَنْقُلُوها.
فَإِنْ قِيلَ: بإمكان فِرْعَوْن أن يعومَ فِي الماء؟
فالجَواب: هَذَا لَيْسَ مَحَلّ العومِ؛ لِأَنَّهُ انطبقَ عليهم الماءُ فِي أعماقِ البحرِ، فلا يستطيعونَ، ثم إنّ العذابَ إذا نزلَ لا تَنْفَع فيه سباحةٌ ولا غيره، فأظنُّ قبل ثلاث سنوات نزل عَلَى مَحَطَّة الكهرباء فِي نيويورك صواعِقُ معَ أن عندهم مانعاتُ صواعقَ فقَلَعَتِ الأعمدةَ، فما نَفَعَها.
_________________
(١) أخرجه أبو داود: تفريع أبواب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة، رقم (١٠٤٧)، والنسائي: كتاب الجمعة، باب إكثار الصلاة على النبي - ﷺ - يوم الجمعة، رقم (١٣٧٤)، وابن ماجه: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب في فضل الجمعة، رقم (١٠٨٥).
[ ١٤٧ ]