* * *
* قالَ اللهُ ﷿: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦١ - ٦٢].
* * *
قَالَ المُفَسِّر ﵀: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ رأى كلٌّ مِنهما الآخرَ]، والمُرادُ بهما جَمْعُ مُوسَى وجَمْعُ فِرْعَوْنَ [﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ يُدْرِكُنا جَمْعُ فِرْعَوْنَ، ولا طاقةَ لنا به].
قال: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ أكَّدوا الإدراكَ بـ (إنّ) واللامِ، يعني: مُدْرَكُون يَقينًا؛ وذلك لِأَنَّ البحرَ أمامَهم وآلَ فِرْعَوْنَ خَلْفَهم، فلا بدَّ أنْ يُدْرِكُوهم، فأينَ يَذْهَبُون؟ فليسَ أمامَهم إلَّا البحر؛ إنْ خاضوا البحرَ غَرِقُوا، وهم لنْ يَخُوضُوه بِحَسَبِ اعتقادِهِمْ فِي تلكَ الساعةِ؛ لأنَّهم لا يَعْلَمُون بالأمرِ، فهم لنْ يَخُوضوا البحرَ، فما بَقِيَ إلَّا أنْ يُدْرِكَهُمْ آلُ فِرْعَوْنَ.
ولهذا قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ بالجُملةِ الإسْميَّةِ المؤكَّدة بـ (إنّ) واللامِ، ولكن مُوسَى أجابَهُم بقولِهِ: ﴿كَلَّا﴾ قَالَ المُفَسِّر ﵀: [أي: لن يُدْرِكُونا]، قال ذلك مُوسَى إيمانًا باللهِ تعالى، وثِقَةً بوعدِهِ، وأنه ﷾ ما أمرهم بالخروجِ إلّا لِيَحْمِيَهُمْ مِن فِرْعَوْن وآلِهِ.
قَالَ المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بِنَصْرِهِ ﴿سَيَهْدِينِ﴾ طريقَ النَّجاةِ].
[ ١٣٢ ]
أولًا: ما قَالَ: كلَّا إنِّي سأُهدَى، بل قدّم مَعِيَّةَ اللهِ؛ لأنها أَقْوَى فِي تَثْبِيتِ قومِهِ، قَالَ: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾، وكلُّ إِنْسانٍ يكونُ اللهُ معَه فلنْ يَضُرَّهُ شيْءٌ، ثم قال أيضًا مؤكدًا أثر هَذِهِ المعيَّة: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ والسينُ تدلُّ عَلَى التَّحقيقِ والقُرْبِ، ومَعْنى ﴿سَيَهْدِينِ﴾ أي: سَيَدُلُّنِي عَلَى طريقٍ أَنْجُو به، ومُوسَى لم يكنْ عالمًا بهذا الطَّريقِ حينَ ذاكَ، ولكنَّه واثقٌ منَ النَّجاة، ولهذا أتَى بالسِّينِ الدالَّة عَلَى التَّحقيقِ وعلى القُرْبِ أيضًا؛ لِأَنَّ المَقامَ يَقْتَضِي ذلكَ.
فهَؤُلَاءِ أكَّدوا أَنَّهُم مُدْرَكُون، فقُوبِلُوا بالتَّأكيدِ أَنَّهُم لنْ يُدْرَكُوا، وتأكيدُ ذلك أوَّلًا بذِكْرِ مَعِيَّةِ اللهِ ﷾: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾، وتأكيدُه ثانيًا بقوله: ﴿سَيَهْدِينِ﴾؛ لِأَنَّ السِّينَ كما هُوَ معروفٌ عند أهلِ النَّحْوِ تدلُّ عَلَى التَّحقيقِ والقُرْبِ، قَالَ: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وفِعلًا حصلَ ما تَيَقَّنَهُ مُوسَى ﵊ من أنَّ اللهَ سُبْحَانَه سَيَهْدِيه طريقَ النجاةِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: ما توجيهُ المَعِيَّة هنا فِي قول المُفَسِّر: [﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ بنصرِه]؟
فالجَواب: المُرادُ بالمعيَّة هنا المعيَّةُ الخاصَّةُ الَّتِي تَقْتَضِي النصرَ والتأييدَ؛ فإنْ قصَدَ المُفسِّرُ بنصرِهِ أَنَّهُ تفسيرٌ بالمعيَّة بالمَعْنى العام فهذا لَيْسَ بصحيحٍ، وإنْ أرادَ بِنَصْرِهِ أَنَّهٌ أثرٌ لذلكَ، فهذا صحيحٌ، فالمُفسِّر لا يُعْتَرَضُ عليه؛ لأَنَّ هناكَ احتمالًا أَنَّهُ يقولُ: معي بِنَصْرِهِ، بمَعْنى أن هَذِهِ المعيَّة سيكونُ أَثَرها النَّصْر.