* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢].
* * *
قولُهُ: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿لَهُ﴾ أي: للهِ وَحْدَهُ، وإنما قلنا: وَحْدَهُ؛ لأنَّ تقديمَ الخبرِ يدلُّ على الحصْرِ، بل القاعدةُ أوسعُ من هذا: تقديمُ ما حقُّهُ التأخيرُ يُفيدُ الحصرَ، حتى لو قلتَ: زيدًا أَكْرَمْتُ. يعني: أنك لم تُكْرِمْ غَيْرَهُ؛ لأنك قَدَّمْتَ المعمولَ فنقولُ له: أيْ لا لغيرِه.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أيْ: مفاتيحَ خَزَائِنِهِما]. فَجَعَلَ المقاليدَ بمعنى مفاتيحَ.
ولكن من حيث اللغةُ العربيَّةُ لا تتناسبُ مع الإشتقاقِ؛ لأنَّ (مقاليدَ) مأخوذٌ من القلادةِ؛ يعني: أزمَّةُ الأمورِ في السَّمواتِ والأرضِ كُلُّهَا بيدِ اللهِ ﷿، كما تقولُ: قلادةُ البعيرِ؛ لأنك تَجُرُّها بها، فالظاهرُ - واللهُ أَعْلَمُ - أن المفسِّرَ ﵀ فَسَّرَها بما يخالفُ الظاهرَ.
لكنَّ بعضَ الناسِ يقولُ: إن (مقاليدَ) اسمٌ أعجميٌّ مُعَرَّبٌ والمقلادُ بمعنى المفتاحِ، لكن هذا قولٌ ضعيفٌ بلا شكٍّ؛ لأنَّه يجبُ ألا نَلْجَأَ إلى التعريبِ إلا للضرورةِ، يعني: لا يُمْكِنُ أن نقولَ: هذه كلمةٌ أصْلُها فارسيَّةٌ، أصْلُها روميَّةٌ، أَصْلُها كذا،
[ ١٢٤ ]
وعُرِّبَتْ، لا يَجوزُ أن نَعْدِلَ إلى هذا إلا عند الضرورةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى جَعَلَ القرآنَ عربيًّا، فإذا قلنا: فيه كلمةٌ عربيَّةٌ أَصْلُها غيرُ عربيٍّ، فهذا خلافُ ظاهرِ القرآنِ، لكن إذا اضْطُرِرْنَا إلى هذا بأنْ لم نجدْ لهذه الكلمةِ أصْلًا في اللغةِ؛ حينئذٍ نقولُ: مُعَرَّبَةٌ.
فـ (مقاليدُ) لها أَصْلٌ مأخوذةٌ من القلادةِ التي تُقادُ بها البعيرُ، فمعنى مقاليدَ؛ أي: أَزِمَّةُ الأمورِ في السَّمواتِ والأرضِ له وَحْدَهُ، أما المُفسِّر ﵀ فقال: [مفاتيحُ خزائِنِهِما من المطرِ والنباتِ وغيرِهِما].
وقوله: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿يَبْسُطُ﴾ يعني: يُوَسِّعُ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يعني: يُضَيِّقُ، الْبَسْطُ وَالْقَدر امتحانٌ وابتلاءٌ؛ لأنَّ من الناسِ من لا يُصْلِحُهُ إلا الفقرُ، ومن الناسِ من لا يُصْلِحُه إلا البسطُ، وفي الحديثِ القدسيِّ: "إنَّ مِن عبادِي لو أَغْنَيْتُه لأَفْسَدَه الغِنى، وإنَّ مِن عِبادِي لو أَفْقَرْتُه لأفْسَدَه الفقرُ" (^١).
يقولُ المفسِّرُ ﵀: [﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ - والمرادُ بالرِّزْقِ العطاءُ - يُوَسِّعُهُ ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ امتحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضَيِّقُهُ لمن يشاءُ ابتلاءً] امتحانًا هل يَشْكُرُ أو لا يَشْكُرُ، ابتلاءً هل يَصْبِرُ أو لا يَصْبِرُ.
وقوله: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ إنه عليمٌ بكلِّ شيءٍ، فهو يَعْلَمُ أن البَسْطَ لهذا أَفْضَلُ، وأن التضييقَ لهذا أَفْضلُ.