* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥].
* * *
﴿فَلِذَلِكَ﴾ المشارُ إليه إقامةُ الدِّينِ وعدمُ التفرُّقِ فيه.
وقولُهُ: ﴿فَادْعُ﴾ الفاءُ زائدةٌ لتحسينِ اللفظِ، والأصلُ فلذلك ادْعُ، ولهذا نقولُ: إنَّ هذه الجملةَ فيها حصرٌ، تقديمُ ما حقُّهُ التأخيرُ، والمقدَّمُ هو الجارُّ والمجرورُ، ولهذا قلتُ لكم: إنَّ الفاءَ في قولِهِ: ﴿فَادْعُ﴾ زائدةٌ لتحسينِ اللفظِ، ولولا أنَّها من كلامِ اللهِ، لقُلنا: فلذلك ادْعُو، وهذا هو السرُّ في أنَّنا قلنا: إنَّ هذه الجملةَ تفيدُ الحَصْرَ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿فَلِذَلِكَ﴾ التوحيدُ] ولو قال: ﴿فَلِذَلِكَ﴾ أي: لإقامةِ الدِّينِ وعدمِ التفرُّقِ فيه لكان أَجْوَدَ ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾ والخطابُ للرسولِ - ﷺ - ولهذا قال المُفسِّر ﵀: [يا محمدُ الناسَ] الناسَ: أشار به إلى أن مفعولَ (ادْعُ) محذوفٌ، والتقديرُ: الناس.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَاسْتَقِمْ﴾ عَلَيْهِ ﴿كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ في تَرْكِه]، ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ هذا ليس خاصًّا بالرسولِ ﵊؛ لقولِهِ
[ ١٥٠ ]
تعالى في سورةِ هودٍ: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هودٍ: ١٢١].
وقولُهُ: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ أي: على الوجْهِ الذي أُمِرْتَ من غيرِ زيادةٍ ولا نَقْصٍ ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ وأهواؤُهُم التي نُهِيَ عن اتِّباعِهَا ما يُخالفُ ما أُمِرَ به. ولهذا قال الشارحُ ﵀: [في تَرْكِهِ].
قولُهُ: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ قل: مُعلنًا لهم ولغيْرِهِم، ﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ آمنتُ بمعنى: أقررتُ، والإيمانُ هو الإقرارُ المستلزِمُ للقَبولِ والإذعانِ. وليس مجرَّدَ الإقرارِ، ولهذا نقولُ: إنَّ أبا طالبٍ ليس بمؤمنٍ، مع أنَّه مُقِرٌّ بِرِسَالةِ النبيِّ - ﷺ - فإنَّه كان يقولُ في لامِيَّتِه المشهورةِ (^١):
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ
ويقولُ (^٢):
ولقد علمتُ بأنَّ دينَ محمَّدٍ من خيرِ أديانِ البريَّة دِينَا
لولا الملامةُ أو حذارُ مَسَبَّةٍ لَوَجَدْتُنِي سَمْحًا بذاك مُبينَا
ولكنه - والعياذُ باللهِ - قد سَبَقَتْ له من اللهِ الشقاوةُ، فكان آخِرَ ما قال: أنه على ملةِ عبدِ المُطَّلِبِ، وصَرَّحَ في تلك الحالِ أنه لولا أن قَوْمَه يلومونه ويقولون: عندما أَيِسَ من الحياةِ آمَنَ لآمَنْتُ، هكذا يقولُ - والعياذُ باللهِ - وهو في سياقِ الموتِ.
فقولُهُ: ﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ نقولُ: الإيمانُ هو: الإقرارُ المستلزِمُ للقبولِ والإذعانِ، أبو طالبٍ مُقرٌّ لكنه لم يَقْبَلْ، ولم يُذْعِنْ فصار كافرًا،
_________________
(١) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٠)، وديوان أبي طالب (ص: ٨٤).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (١٠/ ١١١)، وخزانة الأدب (٢/ ٧٦)، وديوان أبي طالب (ص: ٨٧، ١٨٩).
[ ١٥١ ]
﴿آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾؛ بالذي أَنْزَلَ اللهُ من الكُتُبِ كلها، وهكذا يجبُ علينا نحن أيضًا أن نُؤمنَ بما أَنْزَلَ اللهُ من كتابٍ، ولكن لا يجبُ علينا أن نَتَّبِعَ ما أنزل اللهُ من كتاب، نَتَّبِعُ ما جاء في شريعتِنا، وإن خَالفَ ما في الشرائعِ الأولى، لكن نؤمنُ بأنَّ الكُتبَ النَّازلةَ على موسى وعيسى وداودَ وغيْرِهم من الأنبياءِ، نؤمنُ بأنها حقٌّ. أمَّا الإتِّباعُ فهو لشريعةِ محمَّدٍ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ-.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ أي: بأن أَعْدِلَ]. أفادنا المُفسِّر ﵀ أنَّ اللامَ في قولِهِ: ﴿لِأَعْدِلَ﴾ بمعنى الباءِ، أي: أُمِرْتُ بأنْ أَعْدِلَ بينكم، هذا ما قَدَّرَهُ المُفسِّر ﵀.
ولا شَكَّ أنَّ هذا تقديرٌ سهلٌ، فسهلٌ أن يقولَ: اللامُ بمعنى الباءِ؛ لكنَّ إتيانَ اللامِ بمعنى الباءِ قد لا يكونُ سائغًا في اللغةِ العربيَّةِ، وأن اللهَ تعالى أَمَرَ رسولَهُ - ﷺ - بأمرٍ فوق ذلك؛ أي: وأُمِرْتُ بالشَّرعِ أو بالعدل ﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ فيكونُ المأمورُ به محذوفًا، ويكونُ الموجودُ هو العِلَّةَ، أُمِرْتُ بكذا لأَعْدِلَ بينكم، وهذا أَبْلَغُ من أن نقولَ اللامُ بمعنى الباءِ، ويكون أُمِرْتُ بالعدلِ بينكم، لا أُمِرْتُ بالشرعِ والإيمانِ بكلِّ كتابٍ؛ لأَعْدِلَ بينكم. قال المُفسِّر ﵀: [﴿لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في الحُكْمِ].
وقولُهُ: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ هذه الجُملةُ حقٌّ لا شَكَّ فيه، ولكن قد يقولُ قائلٌ: ما الفائدةُ منها؟ أليس هذا كقولِ القائلِ: السماءُ فوقنا والأرضُ تحتنا، لأنَّ هؤلاء يُقِرُّون بأن اللهَ ربُّهُم، فما الفائدةُ؟
فالجوابُ: الفائدةُ من ذلك هو إلزامُهُم أن يكونوا مِثْلَ ما كُنا عليه من الدِّينِ؛ لأنَّ الرَّبَّ واحدٌ ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ بإقرارِكم، فإذا كان كذلك، فالواجبُ عليكُم أن تخضعوا لأوامرِ ربِّكم ﷿.
[ ١٥٢ ]
قولُهُ: ﴿لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ يعني: أنه لا يَضُرُّنُا عملُكُم، ولا يَضُرُّكُم عملُنا، فإذنْ: لا تتعلقوا بنا، ولا نتعلَّقُ بكم؛ كلٌّ له عَمَلُه. قال المُفسِّر ﵀: [فكلٌّ يُجَازى بعمَلِه].
وقوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾، كيف لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنكم ولدينا الحجَّةُ عليهم؟
الجواب: قال المفسِّر ﵀: [﴿لَا حُجَّةَ﴾ خصومةٌ] بأن أَعْدِلَ ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ ] إلخ، والصوابُ عدمُ تقديرِ: بأن أَعْدِلَ؛ لأنَّه لا داعيَ له، بل المعنى لا حُجَّةَ قائمةٌ على وجهِ الخصومةِ بيننا وبينكم؛ لأننا قد أَيِسْنا منكم، ولن تنفعَ فيكم المُحاجَّةُ.
وقوله: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ قال المُفسِّر ﵀: [هذا قبلَ أن يُؤْمَرَ بالجهادِ] وبعد أن أُمِرَ بالجهادِ، صار لهم أعمالُنا ولنا أعمالهُم، وحين شُرِعَ الجهادُ لا تَبْطُلُ المحاجَّةُ.
ولهذا نقولُ للمؤلِّفِ ﵀: عفا اللهُ عنك! أولًا: أَثْبِتْ لنا أنَّ هذه الآيةَ قبل الأمرِ بالجِهادِ، فإذا قال هذه الآيةُ مَكِّيَّةٌ والجِهادُ إنما أُمِرَ به في المدينةِ، نقولُ: أَثْبَتَّ لنا أنه لمَّا أُمِرَ بالجِهادِ بَطَلَتْ هذه البراءةُ، لا يستطيعُ أن يُثَبْتِ ذلك.
واللهُ ﷾ إنما يتحدَّث في هذا عن حالِ المشركين، والنبيُّ - ﷺ - بَيْنَ أَظْهُرِهِم في مكَّةَ، وهذا أصلًا لا جهادَ فيه، حتى نقولَ: إن هذا من بابِ النَّسْخِ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ في المعادِ، لفصلِ القضاءِ، ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ المَرْجِعُ]، والجملةُ ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ فيها حصرٌ طريقُهُ تقديمُ ما حقُّهُ التأخيرُ.
[ ١٥٣ ]