* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦].
* * *
الإعرابُ: (الذين يُحاجون) مُبتدأٌ، و﴿حُجَّتُهُمْ﴾ مبتدأٌ ثانٍ، و﴿دَاحِضَةٌ﴾ خبرُ المبتدأِ الثاني، والمبتدأُ الثاني وخبرُهُ في محلِّ رفعٍ خبرُ المبتدأِ الأوَّلِ.
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾ أي: يُجادلون فيه، قال المُفسِّر ﵀: [في دين الله]، يعني: يُحَاجُّونَ في دِينِ اللهِ، والصوابُ: العمومُ، فالمحاجَّةُ في اللهِ تَشْمَلُ المحاجَّةَ في دِينِهِ، والمحاجَّةَ في أسمائِهِ وصفاتِهِ، والمحاجَّةَ في ذاتِهِ؛ لأنَّ الآيةَ عامَّةٌ في اللهِ، والمُحاجَّةَ أيضًا في قَدَرِهِ؛ فكوْنُنَا نخُصُّها في دينِ اللهِ، فيه نظرٌ حتى لو قُدِّر أنَّ الذين يُحاجُّونَ إنما يحاجُّونَ في الدِّينِ، ويقولون: إنه ليس بصحيحٍ، فأَخْذُها بالعمومِ أَوْلَى؛ لأنَّ العِبْرَةَ بعمومِ اللفظِ لا بخصوصِ السَّبَبِ.
قال المُفسِّر ﵀: [نَبِيَّهُ] مفعولٌ ﴿يُحَاجُّونَ﴾، يعني: كأنه قال: من يحاجُّونَ؟ فيقالُ: نَبِيَّهُ. وهذا أيضًا فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ تقييدَ المحاجَّةِ في اللهِ ﷿ مع النبيِّ - ﷺ - غيرُ صحيحةٍ؛ لأنَّهم يُحاجُّونَ نبيَّ اللهِ، ويحاجُّونَ غيرَهُ أيضًا، فإطلاقُ الآيةِ أوْلى.
ويقولون: إنَّ حَذْفَ المفعولِ يفيدُ العمومَ، فإبقاءُ الآيةِ على ما هي عليه هو الأوْلى.
[ ١٥٩ ]
إذن: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ﴾؛ أي: يحاجُّون كلَّ من يجادلُهُم في اللهِ ﷿ وأيضًا ليس بدِينِ اللهِ فقط، بل في دينِ اللهِ، وذاتِ اللهِ، وكلِّ ما يتعلَّقُ باللهِ ﷿.
وقولُهُ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ يعني: من بَعْدِ ما استجاب له مَنْ مَنَّ اللهُ عليهم بالإستجابةِ. وهذه الجملةُ كإقامةِ البرهانِ على هؤلاء.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ بالإيمانِ، لظهورِ معجزتِهِ، وهم اليهودُ]. هذا قولُهُ: [﴿مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ﴾ بالإيمانِ] صحيحٌ، وقولُهُ: [لظهورِ معجزتِه] بناءً على أنهم يحاجُّونَ النبيَّ - ﷺ - وإذا قُلْنَا بالعمومِ؛ فلا حاجةَ إلى هذا القيدِ.
وقولُهُ: [وهم اليهودُ] أيضًا فيه نظرٌ، بل نقولُ: كلُّ من يحاجُّ في اللهِ، حتى المشركون من قريشٍ وغيرُهُم حاجَّهُمُ النبيُّ - ﷺ - أليسوا يخاصمونه دائمًا، ويستهزئون به، ويَسْخَرون منه؟ فتقييدُ هذا أيضًا باليهودِ فيه نظَرٌ.
فصار عندنا الآن أشياء في هذه الآيةِ؛ خَصَّصَها المُفسِّر بشيء: الأوَّلُ قَوْلهُم: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ وهو أعمُّ، والثاني: نَبِيُّهُ، وهو كذلك أعمُّ.
قولُهُ: ﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ نقولُ: داحضةٌ باطلةٌ، لكنَّ الدحوضَ أشدُّ البطلانِ. يعني: باطلةٌ بطلانًا لا فوقه، ﴿دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فلا تنفعُهم، وسيأتي - إن شاء اللهُ - بيانُ هذا في فائدةِ قولِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
قولُهُ: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ عليهم غضبٌ من اللهِ ومن أولياءِ اللهِ، ولهذا لم يقيِّدِ الغضبَ بكونِهِ من اللهِ؛ لإفادةِ العمومِ. وتأمَّلْ سورةَ الفاتحةِ حيث قال اللهُ ﷿: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧] لأنَّ النعمةَ من اللهِ، وإضافتَها
[ ١٦٠ ]
إلى الرَّبِّ ﷿ ثناءٌ ومَدْحٌ للهِ، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يَقُلْ غيْرَ الذين غَضِبْتَ عليهم، بل قال: ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ ليَشْمَلَ غضبَ اللهِ، وغضبَ أوليائِهِ من الأنبياءِ والصِّدِّيقِينَ والشهداءِ والصالحين، ولئلا يُسْنِدُ اللهُ الغضبَ إلى اللهِ ﷿ في هذا المقامِ؛ وإلا فإنَّ الغضبَ قد أُسْنِدَ إلى اللهِ تعالى في قولِهِ: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠].
وقوله: ﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قويٌ، قد يكونُ في الدنيا، وقد يكونُ في الآخرةِ، وقد يكونُ فيهما.