* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧].
* * *
قال اللهُ تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [﴿الْكِتَابَ﴾ القرآنُ ﴿بِالْحَقِّ﴾ متعلق بِـ ﴿أَنْزَلَ﴾].
أولًا: قولُ المُفسِّر: [﴿الْكِتَابَ﴾؛ أي: القرآنُ] فيه نظرٌ؛ وهو أن الكتابَ أعمُّ من القرآنِ؛ بدليلِ قولِهِ تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: ٢٥]، التي سُقْنَاها تطابقُ هذه الآيةَ التي معنا، والمُفسِّر خصَّ الكتابَ بالقرآنِ، وفيه نظرٌ، بل الصوابُ أن المرادَ بالكتابِ كلُّ كتابٍ أَنْزَلَه اللهُ فـ (أل) هنا للجنسِ، وقولُهُ ﵀: [﴿بِالْحَقِّ﴾ يقولُ المُفسِّر: متعلِّقٌ بِـ ﴿أَنْزَلَ﴾] وعلى هذا يكونُ المعنى: أن نزولَ هذه الكتبِ من عندِ اللهِ حقٌّ.
ولكنا نقولُ: الآيةُ أعمُّ مما قال المُفسِّر، فهي نازلةٌ بالحقِّ، يعني أنَّهَا نزلتْ حقًّا من عندِ اللهِ، وهي أيضًا متصفةٌ بالحقِّ؛ بمعنى أنها جاءت بالحقِّ، والفَرْقُ بَيْنَ المعنَيَيْن ظاهرٌ؛ لأنَّها على ما فَسَّرْنا تتضمَّنُ أن هذه الكتبَ حقٌّ من عندِ اللهِ، وأن ما جاءت به هذه الكتبُ فهو حقٌّ، فتكونُ الباءُ هنا على كلامِ المُفسِّر تكونُ للتَّعْدِيَةِ، وعلى ما قلنا: تكونُ للتعديةِ والمصاحبةِ أو للملابَسَةِ.
[ ١٦٥ ]
وقوله: ﴿بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [العدْلُ] وعَبَّرَ عن العدلِ بالميزانِ؛ لأَنَّه يُعْرَفُ به العدلُ ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [أيْ ما يعلمك] أَيُّهَا المخاطَبُ ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ أي: إتيانُها قريبٌ، وعَبَّرَ المُفسِّر بقولِهِ: [أي إتيانَها] ليطابِقَ قولَهُ: ﴿قَرِيبٌ﴾؛ لأنَّ قريبٌ مُذَكَّرٌ والساعةَ مؤنثٌ وكان مقتضى ذلك أن يقولَ: "وما يدريك لعل الساعة قريبة"، لكنه قال: ﴿قَرِيبٌ﴾ احتاج المُفسِّر أن يُؤَوِّلَ هذا إلى قولِهِ: "إتيانها" حتى يكون مُذَكَّرًا ويكونَ قريبًا مطابِقًا له. إذن فالآيةُ على تقديرِ المضافِ ألجأُ إلى تقديرِهِ أن الخبرَ مُذَكَّرٌ والساعةَ مُؤَنَّثٌ.
وقال بعضُ العلماءِ: إن ﴿قَرِيبٌ﴾ صفةٌ يستوي فيها المذكَّرُ والمؤنَّثُ؛ كقتيلٍ وجريحٍ، وقال: إن هذا له نظائرُ في القرآنِ منها قولُهُ تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب: ٦٣]، ومنها قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. قال: فلما اطَّرد تذكيرُها في مواضعَ عدَّةٍ وَجَبَ أن يقال: إن قريبٌ - يعني هذا اللفظَ - يستوي فيه المُذَكَّرُ والمؤَنَّثُ؛ وبناءً على هذا لا نحتاجُ إلى تقديمٍ؛ لأنَّ الأصلَ في الكلامِ عدمُ التقديمِ.
وقوله: ﴿قَرِيبٌ﴾ وَصَدَقَ اللهُ ﷿ الساعةُ مهما طال الزمنُ فهي قريبةٌ، لا من حيث الساعةُ العموميةُ ولا من حيثُ الساعةُ الخصوصيَّةُ. الساعةُ الخصوصيَّةُ ساعةُ كلِّ إنسانٍ بحَسَبِه، ساعةُ كلِّ واحدٍ منا قريبةٌ، لو نَبْلُغُ آلافَ السنين؛ لأنَّ ما مضى من سنين كأن لا شيءَ، الآن مضى أمسِ القريبُ كأنه لم يَكُنْ، ويومُ ولادتِك كأنه أمسِ.
إذن الساعةُ قريبٌ باعتبارِ كلِّ إنسانٍ بنفْسِه، وكذلك الساعةُ الكبرى هي قريبةٌ أيضًا ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ
[ ١٦٦ ]
السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ ولذلك من عباراتِ الناسِ: "كلُّ آتٍ قريبٌ، وكلُّ ماضٍ بعيدٌ".
قال المُفسِّر ﵀: [و﴿لَعَلَّ﴾ معلقٌ للفعلِ عن العملِ، وما بعده سدَّ مسدَّ مفعولين]. ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ تَنْصِبُ ثلاثةَ مفاعيلَ:
المفعولُ الأولُ موجودٌ، وهو قولُهُ: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾.
والمفعولُ الثاني والثالث تَنْصِبُه، ولكنه عُلِّقَ عن العملِ بالإتيانِ بـ ﴿لَعَلَّ﴾؛ لأنَّ (لعل) موجِبةٌ لتعليقِ أفعالِ القلوبِ عن العملِ، فتسدُّ مسدَّ المفعوليْنِ. فـ ﴿لَعَلَّ﴾ معلِّقٌ للفعلِ عن العملِ، والفعلُ المعلَّقُ هو ﴿يُدْرِيكَ﴾ وما بَعْدَه، أي ما بَعْدَ ﴿لَعَلَّ﴾ سدَّ مسدَّ المفعوليْنِ، والذي بَعْدَ ﴿لَعَلَّ﴾ هو ﴿السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ فيكونُ هنا ﴿لَعَلَّ﴾ عَلَّقَتْهَا عن العملِ؛ أي أَبْطَلَتْ عَمَلَها لفظًا دونَ المحلِّ، والمعلِّقاتُ كثيرةٌ، ذَكَرَها ابنُ مالِكٍ ﵀ في الألفيَّةِ فَلْيُرْجَعْ إليها.