* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٨].
* * *
قوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ قال المُفسِّر ﵀: [يقولون: متى تأتي؟ ظنًّا منهم أنَّها غيرُ آتيةٍ] ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا﴾؛ أي: يستعجلونها أين هي؟ متى تَكُونُ؟ ليس ذلك حرصًا عليها، ولا رَغبةً فيما يكونُ فيها من الخيرِ، ولكنه استبطاءٌ لها، وإنكارٌ لها، أين الساعةُ التي تقولون؟ كما قال ﷿: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية: ٢٥] وهم بهذا مُلَبِّسون مُشَبِّهُون؛ لأنَّهم لم يُقَلْ لهم إنهم يأتون في الدنيا، بل يأتون يومَ القيامةِ.
فالرسُلُ لم تَقُلْ: إن آباءكم سيأتون وأنتم أحياءٌ، لأنَّ من مات لا يُبْعَثُ إلى يومِ القيامةِ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٥ - ١٦] اللهمَّ إلا أن تكونَ آيةً من آياتِ الرسُلُ، كما جرى لعيسى ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا﴾ أما الذين آمنوا فيقولُ اللهُ عنهم: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [خائفون] ﴿مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ﴾ والإشفاقُ أشدُّ الخوفِ، وتفسيرُ المُفسِّر
[ ١٨٦ ]
له بالخوفِ تقريبٌ، وليس على وجهِ التحديدِ، والإشفاقِ خوفًا وزيادةً، مُشفِقون منها خائفون منها؛ لأنَّهم يَعْلَمُون أنَّها الحقُّ، وأنها ستقومُ، وستكونُ الأهوالُ العظامُ، ستكونُ ﴿الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥] وسَتُدَكُّ الأرضُ، وكُلما ذُكِرَ في الكتابِ والسُّنَّةِ مما يكُونُ في الآخرةِ، فإنَّ الذين آمنوا مؤمنون به، مشفِقون منه.
قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ﴾ قال المُفسِّر ﵀: [يُجَادِلُونَ] ﴿فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾.
قوله: ﴿أَلَا﴾ أداةُ استفتاحٍ الفائدةُ منها التنبيهُ والتحقيقُ والعنايةُ، ولهذا تأتي بعدها غالبًا (إنَّ)، و﴿إِنَّ﴾ للتوكيدِ، مثل قولِهِ تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٢]، فإذنْ: (أَلا) أداةُ استفتاحٍ تفيدُ التوكيدَ والتنبيهَ والتحقيقَ والعنايةَ.
وقوله: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ (إنَّ) للتوكيدِ، واللامُ في قولِهِ: ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾ لامُ التوكيدِ داخلةٌ على الخبرِ ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾؛ أي: لفي ضلالٍ بعيدٍ عن الهدى؛ لأنَّ الضلالَ قد يكونُ قريبًا، ويهتدي الإنسانُ عن قُرْبٍ، وقد يكونُ بعيدًا فلا يهتدي - والعياذُ باللهِ - إلا بعدَ التي واللُّتَيَّا.