* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٢١].
* * *
وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ قال المفسِّرُ ﵀: [﴿أَمْ﴾ بمعنى بل] أشار بهذا إلى أن ﴿أَمْ﴾ هنا منقطعةٌ، و(أمِ) المنقطعةُ هي التي تأتي بمعنى (بل) وهمزةِ الإستفهامِ. أي: بل ألَهُ شركاءُ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿لَهُمْ﴾ لِكُفَّارِ مَكَّةَ] والصوابُ: أنها أعمُّ من ذلك، يعني: أن جميعَ المُشركين لهم شركاءُ جعلوهم مع اللهِ ﷿ يُشَرِّعُون لهم من الدِّينِ ما لم يَأْذَنْ به اللهُ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ هم شياطينُهُم ﴿شَرَعُوا﴾ أيِ الشركاءُ ﴿لَهُمْ﴾ للكفَّارِ] وهنا قال: [للكفارِ] وفيما سبق قال: [كفارُ مَكَّةَ] فتكونُ (ال) في كلامِهِ للعهْدِ الذِّكْرِيِّ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿مِنَ الدِّينِ﴾ الفاسدُ ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ كالشِّرْكِ وإنكارِ البَعْثِ]، وهذا الإستفهامُ هنا بمعنى الإنكارِ عليهم أن يتخذوا هؤلاء شركاءَ يُشَرِّعُون لهم من الدِّينِ ما لم يَأْذَنْ به اللهُ.
[ ٢٠٢ ]
وقولُهُ: ﴿مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ المرادُ بالإذنِ هنا الإذنُ الشرعِيُّ؛ لأنَّ الإذنَ يكونُ قَدَريًّا ويكونُ شَرْعيًّا، فما تَعَلَّقَ بالأمرِ والنهيِ شرعيٌّ، وما تَعَلَّقَ بالخَلْقِ والتكوينِ قدريٌّ، فقولُهُ تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرةِ: ٢٥٥]. يَحْتَمِلُ أن يُرادَ به الإذن الشرعيّ أو القدريّ، ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ أي: بأن يَأْذَنَ قَدَرًا بأن يَشْفَعَ، أو يأذنَ شَرْعًا. وقولُهُ تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرةِ: ١٠٢]. يحتملُ الإذنَ القدريَّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يأذنُ شَرْعًا بأن يَضُرَّ السحرةُ أحدًا.
وهنا ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ أي: ما لم يأذن به شرعًا، أما قدرًا فقد أَذِنَ به؛ لأنَّه وَقَعَ، وكلُّ شيءٍ يقعُ فإنه مأذونٌ فيه قدرًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ أن يقعَ في مُلْكِ اللهِ ﷿ ما لم يَأْذَنْ به قَدَرًا، ومن ذلك؛ أي: من شَرْعِ ما لم يأذنْ به اللهُ تحليلُ ما حَرَّمَ اللهُ، أو تحريمُ ما أحلَّ اللهُ، ولهذا جَعَلَ اللهُ ﷾ هؤلاء الذين يُحِلِّلُون ما حَرَّمَ ويُحَرِّمُون ما أَحَلَّ جَعَلَهَم أربابًا، كما في قولِهِ تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبةِ: ٣١]. قال عديُّ بْنُ حاتمٍ للرسولِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ: "إنا لَسْنَا نَعْبُدُهم، قال: أليس يُحِلُّون ما حَرَّمَ اللهُ فتُحِلُّونه، ويُحَرِّمُونَ ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمُونه؟ قال: بلى، قال: فتلك عبادتُهُم" (^١)، يعني: طاعَتَهم.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾؛ أي: القضاءُ السابقُ بأن الجزاءَ في يومِ القيامةِ ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وبين المؤمنين بالتعذيبِ لهم في الدنيا ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ الكافرين ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِمٌ].
_________________
(١) أخرجه الترمذي: كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة التوبة، رقم (٣٠٩٥).
[ ٢٠٣ ]
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ (لولا) يقولُ النحويون: إنها حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، والذي امْتَنَعَ في هذه الآيةِ القضاءُ بينهم، والموجودُ كلمةُ الفَصْلِ، واعلمْ أن (لولا) حرفُ امتناعٍ لوجودٍ، و(لما) حرفُ وجودٍ لوجودٍ، و(لو) حرف امتناعٌ لامتناعٍ. فاقتسمت هذه الأدواتُ الثلاثُ المعانيَ الثلاثةَ.
(لو) حرفُ امتناعٍ لامتناعٍ؛ تقولُ: لو زُرْتَنِي لأكْرَمْتُكَ. هنا امتنعَ الإكرامُ لامتناعِ الزيارةِ. وتقولُ: (لمَّا) رَأَيْتُكَ أَكْرَمْتُكَ. هنا وُجِدَ الإكرامُ لوجودِ الرؤيةِ. وتقولُ: (لولا) زيدٌ لفعلْتُ كذا وكذا. هذا حرفُ امتناعٍ لوجودٍ.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ﴾ وهي كلمةُ اللهِ ﷿ السابقةُ التي قضى ﷿ بها أن لكلِّ شيءٍ أَجَلًا مُقَدَّرًا، هذه الكلمةُ التي جَعَلَها اللهُ ﷿ لكلِّ شيءٍ أَجَلًا مقدَّرًا، لولا هذه لقضي اللهُ بينهم وبين المؤمنين بتعجيلِ العذابِ لهم.