* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩].
* * *
قال ﷿: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (من) للتبعيضِ، و(آياتٌ) جَمْعُ آيةٍ، وهي العلامةُ المعيَّنَةُ لما كانت له، العلامةُ التي تعيِّنُ الشيءَ وتُحَدِّدُه يقالُ لها: آيةٌ.
من آياتِ اللهِ؛ أي: من علاماتِ اللهِ على كمالِ قُدْرَتِه ﷿ وكمالِ سلطانِه ومن آياتِهِ خلقُ السَّمواتِ والأرضِ، فإنه لا يُمْكِنُ لأحدٍ أن يَخْلُقَ مِثْلَهُم، وسبق الكلامُ على السَّمواتِ والأرضِ، ولم جمعت الأولى والثانيةُ أُفْرِدَتْ، وما أَشْبَهَ ذلك.
قال المُفسِّر ﵀: [(و) خَلَقَ (ما بَثَّ) فَرَّقَ ونَشَرَ ﴿فِيهِمَا﴾ أي في السَّمواتِ والأرضِ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ وهي ما يدبُّ على الأرضِ من الناسِ وغيرِهِم] فهو من آياتِ اللهِ.
فمن آياتِ اللهِ في هذه المخلوقاتِ أن اللهَ ﷾ أنه أعطى كلَّ شَيْءٍ خَلْقَه ثم هدى، تَجِدُ الحيواناتِ وهي بُهمٌ، لا عقولَ لها، تجدُها تكسبُ رزْقَها وتذهبُ تطلُبُه، وتُخَزِّنُ ما تُخَزِّنُ منه إن كانت مما يُخَزِّنُ الأقواتَ، وتجدُها تحنُّ إلى أولادِها،
[ ٢٤٤ ]
وتَرْحَمُ أولادَها وتجوعُ لِشِبَعِهِم، إلى غيرِ ذلك مما إذا تأمَّلْتَه عَجِبْتَ من هذه المخلوقاتِ البُهمِ.
الطيورُ أعطاها اللهُ ﷿ قُوَّةَ نظرٍ بعيدةً، بدليلِ أنها ترى الحَبَّ وهي في جوِّ السماءِ، والآدميُّ لا يرى هذا بلا شكٍّ، لكن لمَّا كانت الطيورُ لا تمشي على الأرضِ يَسَّرَ اللهُ لها بصرًا نافذًا قويًّا حتى ترى الحَبَّةَ وهي في جوِّ السماءِ فتنزلَ وتأخُذَها وتطيرَ، إلى غيرِ ذلك من الآياتِ العجيبةِ.
انظر مثلًا إلى الذَّرِّ الصغيرِ كيف يهتدي إلى جُحْرِه وهو يأتي إليه من بعيدٍ، ثم إنه يمشي على خطٍّ واحدٍ، شاهدناه بأعيُنِنا يمشي على خطٍّ واحدٍ على البساط الذي ليس فيه أثرُ ترابٍ. فتجدُه يصلُ إلى النهايةِ وإذا به ينحرفُ على زاويةٍ، كيف اهتدى إلى هذا إلا بهدايةِ اللهِ ﷿؟ وقد قيل: إنه كلما مشى فإنه يَخْرُجُ منه شيءٌ؛ أي: مادَّةٌ، يشمُّهُا الذَّرُّ الآخرُ فيمشي تَبَعَهُ، هذا من آياتِ اللهِ ﷿.
تجدُ النملَ - وهو أكبرُ من الذَّرِّ - يحرصُ على أن يأتيَ بزادِهِ من بعيدٍ ثم يُخَزِّنَه في جُحْرِهِ، وإذا أراد أن يُخَزِّنَهُ أَكَلَ رؤُوسَ الحبِّ من أجلِ ألا يَنْبُتَ؛ لأنَّه لو بَقِيَ الحبُّ برؤوسه نَبَتَ وفَسَدَ عليه فتجدُه يَأْكل أعلى الحبَّةِ وأسْفَلَها حتى لا تَنْبُتَ، ثم إذا جاءَ المطرُ وابتلِّت الأرضُ ووَصَلَ البللُ إلى جُحْرِهِ تَجِدُه ينقُلُ هذا الحَبَّ ليُخْرِجَه إلى الشمسِ والهواءِ حتى يَيْبَسَ، مَن الذي عَلَّمَهُ؟ اللهُ ﷿ لا شكَّ، فهو من آياتِ اللهِ.
وما أحسنَ الإستعانةَ على هذا بقراءةِ كتابِ (مفتاحُ دارِ السعادةِ) (^١) لابنِ القَيِّمِ ﵀ هذا ذكرٌ فيه عجائبُ، حتى ذكر به قِصَّةَ أن رجلًا وَضَعَ طُعْمًا لذَرَّةٍ من
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٤٣).
[ ٢٤٥ ]
الذَّرَّاتِ - إما لحمًا أو غيرهُ - فحاولت الذَّرَّةُ أن تَحْمِلَها فعجزتْ، فرجعت إلى جُحْرِهَا، واستغاثت بأَخَواتِها فأقبلْنَ إليها يزفُّون، فلما أقبَلْن عليه نزعها - رَفَعَه من الأرضِ - فجعل الذَّرُّ تطلبُه ولا تجدُ شيئًا، فصرخت وبقيت الأولى التي كانت قد دَلَّتْ عليه، فوضع الطُّعْمَ، فلما تيقنتْه ذهبتْ إلى قومِها فَدَعَتْهُم، فلما أَقْبَلْنَ نَزَعَها، فطلبْنَه فلم يَكُنْ، فرجعن، ثم وُضِعَ الطُّعْمُ للمرةِ الثالثةِ فتأكدته هذه الذرةُ، ثم رجعتْ إلى قومِها تستفزعُهُم، فلما أقبلن نَزَعَه فلما طَلَبْنَه ولم يجدنه أَكَلْنَ هذه الذَّرَّةَ نهائيًّا، قَطَّعْنَها أوصالًا، يقولُ: فحكيتُ ذلك لشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ متعجبًا منها قال: نعم كلُّ شيءٍ مفطورٌ على عقوبةِ الظالمِ الكاذِبِ، وهذه كَذَبَتْ عليهن وظَلَمَتْهُنَّ فلم يبقَ إلا أن تُعْدَمَ؛ لأنَّ الساعيَ في الأرضِ فسادًا يجبُ إعدامُهُ حتى الآدمِيُّ.
وهل عليه دِيَةُ هذه المقتولةِ؟ الجوابُ: هو ظالمٌ لها نسألُ اللهَ أن يَعْفُوَ عنه.
وكلُّ شيءٍ هداه اللهُ ﷿ لما خَلَقَه له حتى الذَّرُّ شاهدْتُه أنا في حوضِ نخلةٍ لما سقيتُ النخلةَ بالماءِ دخل الماءُ من تحت الأرضِ إلى جُحْرِ الذَّرِّ، فجعلت الذَّرُّ تحملُ بَيْضَها الأبيضَ بسرعةٍ، حتى أَخْرَجَتْه عن الماءِ، فالذي هداها لهذا هو اللهُ ﷿. وآياتُ اللهِ كثيرةٌ؛ ولهذا قال اللهُ ﷿: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ وفي الآيةِ الأخرى ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾ [الجاثيةِ: ٤] فأتى بالماضي وأتى بالمضارعِ الدالِّ على الإستمرارِ.
قال المُفسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾ للحشرِ ﴿إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾]، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ﴾؛ أي: جَمَعَ هذه المخلوقاتِ ﴿إِذَا يَشَاءُ﴾؛ أي: إذا يشاءُ جَمَعَهُم، فالمفعولُ به محذوفٌ دلَّ عليه السياقُ.
﴿قَدِيرٌ﴾؛ أي: لا يُعْجِزُهُ شيءٌ، يقولُ المفسِّرُ ﵀: [في الضميرِ تَغْلِيبُ
[ ٢٤٦ ]
العاقِلِ] الضميرُ يعني في جَمْعِهِم تغليبُ العاقِلِ؛ لأنَّ الميمَ الدالَّةَ على الجَمْعِ لا تكونُ إلا في العقلاءِ، وأما غيرُ العقلاءِ فيؤتى بنونِ النِّسْوَةِ، لكن هنا أتى بضميرِ الجمْعِ مع أن ما في الأرضِ من دابَّةٍ أكثرُهُ غيرُ عقلاءَ، لكن يقولُ المُفسِّر يقولُ ﵀: تغليبٌ للعاقِلِ.