* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٣١].
* * *
﴿وَمَا﴾ نافيةٌ وهي تَعْمَلُ عَمَلَ ليس على لغةِ الحِجازِيِّين، والقرآنُ الكريمُ نَزَلَ بِلُغَتِهم، وعلى هذا فيكُونُ قولُهُ: ﴿أَنْتُمْ﴾ اسْمَها، وقوْلُه: ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ خَبَرَها، لكنَّه اقْتَرَنَ بالباءِ الزَّائدةِ إعرابًا، الزَّائدةِ معنًى؛ يعني أنَّها من حيث الإعرابُ زائدةٌ، لو حُذِفَتْ لتمَّ الكلامُ بدونِها، لكن من حيث المعنى غيرُ زائدةٍ، بل هي مفيدةٌ، وفائدةُ حروفِ الزِّيادةِ هي التَّوْكيدُ. كلَّما جاءك حرفٌ زائدٌ فهو لتأكيدِ العمومِ.
يقولُ: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي بِمُعْجِزِينَ اللهَ ﵎ إذا طَلَبَكم، فلن تُعْجِزُوه في الأرضِ.
وقولُ المفسِّرِ ﵀: [﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ اللهَ هَرَبًا] هذا كالمثالِ، وإلَّا فالمعنى أعمُّ مما قال، أي: بمُعْجِزِين اللهَ هَرَبًا، وبمُعْجِزين اللهَ اختفاءً، وبمُعْجِزين اللهَ اضطجاعًا، وما أَشْبَهَ ذلك، الإنسانُ بالنسبةِ للإنسانِ ربما يُعْجِزُه إذا هَرَبَ منه ويكُونُ أَسْبَقَ منه، ربَّما يُعْجِزُه إذا اختفى عنه بجدارٍ، أو غارٍ، أو شجرٍ، أو ما أَشْبَهَ ذلك، ربَّما يُعْجِزُه إذا اختفى عنه بالإضطجاعِ على الأرضِ، وما أَشْبَهَ ذلك.
فهل هذا الإعجازُ الَّذي يكونُ من الإنسانِ للإنسانِ هل يكونُ من الإنسانِ للهِ؟
[ ٢٦١ ]
لا؛ لأنَّ اللهَ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آلِ عمرانَ: ٥] ولا يمتنعُ على قُدْرَتِه شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ، وهذا كالوعيدِ لهؤلاء.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غَيْرِهِ] ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ ﴿مَا﴾ هذه نافيةٌ ونقولُ: إنَّها حجازيَّةٌ؛ لأنَّ من شَرْطِ عَمَلِها عَمَلَ (ليس) التَّرْتيبَ، أن يَكُونَ الإسمُ هو المُقَدَّمَ، وهنا الخبرُ هو المُقَدَّمُ، وعليه فتكونُ نافيةً غَيْرَ عاملةٍ ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ﴿مِنْ﴾ هذه زائدةٌ لتوكيدِ النَّفْيِ.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُ عَذَابَهُ عنكم] ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولَّاكم، ويُحْسِنُ وَلايَتكُم ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ يَدْفَعُ عنكم. فليس هناك وَلِيٌّ يتولاكم من دُونِ اللهِ، ولا نَصِيرَ يَدْفَعُ عنكم عذابَ اللهِ، بل أنتم في قَبْضَتِه ﵎ أينما كُنْتُم.
فالوَلِيُّ هو الَّذي يتولَّى الأمورَ وقد لا يستطيعُ المُدافعةَ، يتولَّى أمورَهُم ولكن لا يستطيعُ أن يُدَافِعَ، والنَّصيرُ يستطيعُ أن يُدَافعَ، فليس لهم وَلِيٌّ يَجْلِبُ الخيراتِ، ولا نصيرٌ يَدْفَعُ الشُّرورَ.