* * *
* قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨].
* * *
قولُهُ: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ الواوُ حرفُ عطفٍ، (الَّذين) معطوفةٌ على ما سَبَقَ، عطفُ أوصافٍ، والَّذين استجابوا لربِّهِم.
قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التَّوحيدِ والعبادةِ]. ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ بمعنى أجابوه، وقد سبق لنا ذِكْرُ الأمثلةِ على كَوْنِ استجاب بمعنى أجاب، وقولُهُ: [من التَّوحيدِ والعبادةِ] تفسيرٌ لا بَأْسَ به، ولو قال ﵀: استجابوا لرَبِّهِم؛ أي: أجابوه إلى كلِّ ما دعاهم إليه من فِعْلِ الأوامِرِ وتَرْكِ النَّواهي لكان أَبْيَنَ وأعَمَّ.
وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ معطوفةٌ على ﴿اسْتَجَابُوا﴾ فهي داخلةٌ في صلةِ الموصولِ، قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ أداموها] وفيها نظرٌ، بل معنى "أقاموا الصَّلاةَ": أَتَوْا بها مستقيمةً على الوجْهِ الَّذي طُلِبَ منهم؛ لأنَّ هناك فَرْقًا بين إقامةِ الصَّلاةِ وبين إدامةِ الصَّلاةِ، نعم إدامتُها من إقامَتِها لا شكَّ، ولكن ليست الإقامةُ هي الإدامةَ، إذن الإقامةُ معناها: أن يأتِيَ بالصَّلاةِ مستقيمةً على الوَجْهِ المطلوبِ. وقولُهُ: ﴿الصَّلَاةَ﴾، يَعُمُّ الفريضةَ والنَّافلةَ.
[ ٢٨٦ ]
وقوله: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ أَمْرُهُمْ؛ أي شَأْنُهُمْ، والمرادُ الشَّأنُ العامُّ لا الشَّأنُ الخاصُّ، الشَّأنُ العامُّ الَّذي يُهِمُّ الجميعَ يتشاورون فيه، ومعنى يتشاورون فيه. يعني: يتبادلون الرَّأيَ؛ هل يُقْدِمُونَ أو يُحْجِمُونَ، هل يُعَدِّلُونَ أو يُبْقُونَ الشَّيْءَ على ما هو عليه.
المهمُّ أن المشاورةَ هي تَدَاوُلُ الرَّأْيِ ليَخْرُجُوا بنتيجةٍ مَرْضِيَّةٍ للجميعِ. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ يتشاورون فيه ولا يَعْجَلُونَ].
وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (مِنْ) هنا للتَّبعيضِ، ويُحْتَملُ أن تكونَ للجنسِ، فإن كانت الأولى صار المدحُ لمن يُنْفِقُ بعضَ مالِهِ، وإن قلنا بأنَّها الجنسُ صار المدحُ لمن يُنْفِقُ مالَهُ كُلَّه أو بَعْضَه، فأيُّهُما أَوْلَى أن نَقُولَ للتَّبعيضِ أو للجنسِ؟
الجوابُ: للجنسِ أَوْلَى، لِيَشْمَلَ القليلَ والكثيرَ والكلَّ. قال المفسِّرُ ﵀: [﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أَعْطَيْنَاهُمْ ﴿يُنْفِقُونَ﴾ في طاعةِ اللهِ].