الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ من صفاتِ المؤمنين المتوكِّلين أنَّهم يستجيبون للهِ ﷿؛ أي: يجيبونه إلى ما طَلَبَه منهم، ومعناه المبادَرَةُ وعدمُ التأخُّرِ؛ لأنَّ التأخُّرَ عن تنفيذِ الواجِبِ نَقْصٌ في الإستجابةِ، وأَضْرِبُ لكم مَثَلًا برجلٍ أمَرَ ابْنَه أن يأتيَ إليه بشيءٍ، فتوانى الإبْنُ وبقيَ ساعةً أو ساعتين ثم جاء بالشَّيءِ؛ فهل يُقالُ: إن الإبْنَ امتثلَ امتثالًا كاملًا؟ لا، فالإمتثالُ الكاملُ بالمبادَرةِ، وهذا معنى قولِهِ: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: العنايةُ بإقامةِ الصَّلاةِ، وَجْهُ ذلك: أن اللهَ نَصَّ عليها بَعْدَ التعميمِ؛ لأنَّ قولَهُ: ﴿اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ يَشْمَلُ الصَّلاةَ وغيْرَهَا، فلمَّا قال: أقاموا الصَّلاةَ
[ ٢٨٧ ]
نَصَّ عليها بخُصُوصِها، وهذا دليلٌ على العنايةِ بها، وحُقَّ واللهِ أن يُعْتَنَى بها؛ لأنَّه ليس هناك عبادةٌ أقوى صلةً بك للهِ ﷿ من الصَّلاةِ، الإنسانُ يَتَصَدَّقُ، لكن لا يَشْعُرُ بالصِّلةِ بينه وبين رَبِّهِ، يصُومُ، يَحُجُّ، لكن الصَّلاةَ الحقيقيَّةَ الشَّرعيَّةَ أن الإنسانَ يَشْعُرُ بأنه في صلةٍ بَيْنَه وبَيْنَ اللهِ، ومن أجْلِ ذلك سُمِّيَتْ صلاةً؛ لأنَّها صلةٌ بَيْنَ الإنسانِ وبَيْنَ اللهِ، إذا قال الإنسانُ: الحمدُ للهِ، قال اللهُ: حَمِدَني عَبْدِي؛ وهكذا محاورةً، ثم هو يَشْعُرُ بأنَّه إذا رَكَعَ ففوقه رَبٌّ يُعَظِّمُهُ، وإذا سَجَدَ فكذلك يَضَعُ أَشْرَفَ أعضائِه في مواطِئِ الأقدامِ، ولذلك صارت العنايةُ بالصَّلاةِ؛ حيث قال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.
وفُرِضَتِ الصَّلاةُ لَيْلَةَ المعراجِ، من اللهِ إلى الرَّسولِ بدون واسطةٍ، وهذا يَدُلُّ على أهَمِّيَّتِهَا والعنايةِ بها، ثم إنَّها فُرِضَتْ خمسين صلاةً، وخَفَّفَ اللهُ على العِبادِ فَجَعَلَها خَمْسَ صلواتٍ، لكنَّها في الواقعِ خمسون صلاةً، بمعنى أنَّك إذا صَلَّيْتَ فريضةً واحدةً كأنَّما صَلَّيْتَ عَشْرًا، ليس هو من أَجْلِ أن الحسنةَ بعَشْرِ أمثالهِا؛ لأنَّ هذا لجميعِ الحسناتِ، لكن كأنَّك صَلَّيْتَ الظُّهْرَ مثلًا عَشْرَ مَرَّاتٍ، صَلَّيْتَ وسَلَّمْتَ، صَلَّيْتَ وسلَّمْتَ حتَّى بَلَغْتَ عَشْرًا، وبهذا يَظْهَرُ الفَرْقُ بينها وبين سائرِ العباداتِ في الثَّوابِ الحسنةُ بعشْرِ أمثالهِا، لكنَّ هذه كأنَّك فعلًا صَلَّيْتَ خمسين صلاةً.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: مراعاةُ الأحوالِ الإجتماعيَّةِ، وأنَّ الأمورَ العامَّةَ يجبُ التَّشاوُرُ فيها؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ ولا تَدُلُّ الآيةُ على أنَّ الإنسانَ إذا أراد أن يَفْعَلَ فعلًا خاصًّا فيه يُشَاوِرُ، لكنَّ المشاوَرَةَ مشروعةٌ إذا أَشْكَلَ عليك شيءٌ فلديك شيئان: الإستخارةُ والمشاورةُ، لكنَّ الأمْرَ العامَّ لا بدَّ من التَّشاوُرِ فيه، يُسْتَثْنَى من ذلك إذا بان الأمْرُ لِوَلِيِّ الأمْرِ فإنَّه لا حاجَة للمشاوَرَةِ فيه؛ يعني لو تَبَيَّنَ للأميرِ
[ ٢٨٨ ]
أو الرَّئيسِ أو المَلِكِ مصلحةُ ما يريدُ فلا حاجةَ للتَّشاوُرِ؛ لأنَّ التَّشاوُرَ يُرْجَعُ إليه عند الإشكالِ والتَّردُّدِ، أمَّا مع ظهورِ المصلحةِ فلا حاجةَ لأنْ يُشَاوِرَ؛ لأنَّ المشورةَ حينئذٍ لا تزيدُ الأمْرَ إلا إشكالًا وفوضى، فالنَّاس ليسوا على رأيٍ واحدٍ، إذا أَرَدْتَ أن يَتَمَزَّقَ الأمرُ فَضَعْهُ بَيْنَ يَدَيْ عَشَرَةٍ، وإن أَرَدْتَ أن يَذُوبَ بالكُلِّيَّةِ فَضَعْهُ بين يَدَيْ عِشْرِين، لا بدَّ من اختلافِ النَّاسِ.
والأصْلُ أنه - ولي الأمر- مُؤْتَمَنٌ، وإذا أراد أن يَخُونَ مَنَعَ الشُّورَى ولو احتاجَ لها، وليسَ علينا بذِمَّتِهِ، لأنَّنا لو قلنا: إنَّ وَلِيَّ الأمْرِ يُشَاوِرُ في كلِّ شيءٍ فهذِه مُشْكِلَةٌ، ولا يُمْكِنُ أَنْ تَسْتَقِيمَ الحالُ، معناه لو يكتب للشُّرْطَةِ: احْبِسُوا فلانًا لأنَّه أساء يقولُ: واللهِ أَجْمَعُ الناسَ أُشَاوِرُ.
وهل نقولُ: كلُّ مسألةٍ تَتَعَلَّقُ بالعامَّةِ لا بُدَّ أن تُشَاوِرَ فيها، لا يُمْكِنُ هذا، وقد بَيَّنَّا أن عُمَرَ - ﵁ - من أشدِّ الخلفاءِ مشاورةً ومع ذلك تكادُ تُحْصىَ مشاوراتُهُ، لا بدَّ من هذا وإلا فلا يستقيمُ الأمرُ.
فإن قال قائلٌ: إذا أَشْكَلَ على الإنسانِ الشَّيءُ هل يبدأُ بالإستخارةِ أو الإستشارةِ؟
فالجوابُ: يبدأُ بالإستخارةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ قال: "إذا هَمَّ أَحَدُكم بالأمْرِ فليصلِّ ركعتين" (^١) (هَمَّ) يعني أصابه الهَمُّ فيه وتَرَدَّدَ وشَكَّ، وليس المرادُ أنَّ كلَّ أمرٍ تَهُمُّ به تصلِّي ركعتين أوَّلا، لكن إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمرِ، إذا هَمَّ الإنسانُ أن يَذْهَبَ للغداءِ يُصَلِّي ركعتين يستخيرُ؟ لا، إذن "إذا هَمَّ أحدُكُم بالأمْرِ" يعني إذا أَهَمَّهُ الأمْرُ ولم يَتَبَيَّنْ له شيءٌ فليصلِّ ركعتين، فنقولُ: ابدأْ أوَّلًا
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الإستخارة، رقم (٦٣٨٢)، من حديث جابر - ﵁ -.
[ ٢٨٩ ]
بالإستخارةِ؛ لوجهين: الأوَّلُ أنَّه ظاهرُ الحديثِ، والثَّاني أن كَوْنَكَ تَرْجِعُ إلى اللهِ خيرٌ من كونك ترجعُ إلى آراءِ النَّاسِ.
إذَن: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ يُسْتَثْنَى منه ما ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُه لوَلِيِّ الأمْرِ، فإنه لا حاجةَ إلى أن يُشَاوِرَ، ويَدُلُّ لهذا الإستثناءِ عملُ السَّلفِ الصالِحِ، فها هو عُمَرُ - ﵁ - وهو من أشدِّ الخلفاءِ اهتمامًا بالرَّعيَّةِ لا يُشاورُ إذا كانتِ المصلحةُ ظاهرةً له، وإنما يشاوِرُ إذا أَشْكَلَ عليه الأمْرُ، لو أَحْصَيْتَ ما شاور فيه ما بَلَغَ إلا العشراتِ أو أقَلَّ، وقد بَقِيَ عَشْرَ سنواتٍ في الخلافةِ، هذا العملُ السَّلفِيُّ من الخلفاءِ الرَّاشدين يُقَيِّدُ قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ من صفاتِ الَّذين آمَنوا وعلى ربِّهِم يَتَوَكَّلون بَذْلَ المالِ في طاعةِ اللهِ؛ لقولِهِ: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وهل يُطْلَبُ من الإنسانِ أن يُنْفِقَ جميعِ مالِهِ؟ هذا يَنْبَنِي على (مِنْ) هل هي للتَّبعيضِ أو للجنسِ؟ إذا قُلْنا: للتَّبعيضِ صار المدحُ على مَن أَنْفَقَ بعضَ مالِهِ، وإذا قُلْنا: للجنسِ؛ أي: أنهم ينفقون من هذا الجنسِ الَّذي رَزَقَهُم اللهُ، صار عامًّا، والتَّفصيلُ هو التَّأصيلُ إن شاء اللهُ إذا كان الإنسانُ لا يَنْقُصُ إنفاقُهُ شيئًا من واجباتِ الإنفاقِ على الأهلِ فلا حَرَجَ أن يُنْفِقَ جميعَ مالِهِ، مثلَ أن يَكُونَ عِنْدَ إنسانٍ مئةُ ريالٍ لا يَحْتَاجُهَا للإنفاقِ على أَهْلِهِ، وليس عنده سواها نقولُ هنا: أَنْفِقْ جميعَ المئَةِ، ثم اكتسبْ للإنفاقِ على أَهْلِكَ، كما فعل أبو بكرٍ - ﵁ - (^١)، أمَّا إذا كان يحتاجُ المالَ للإنفاقِ الواجبِ على أهْلِهِ وهو ضعيفُ الإكتسابِ، فهنا نقولُ: لا تُنْفِقْ جميعَ مالِكَ، أَمْسِكْ عليك بَعْضَ مالِكَ فهو خيرٌ لك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب الزكاة، باب الرخصة في ذلك؛ أي أن يخرج الرجل من ماله، رقم (١٦٧٨)، والترمذي: كتاب المناقب، باب في مناقب أبي بكر وعمر - ﵄ -، رقم (٣٦٧٥)، من حديث عمر - ﵁ -.
[ ٢٩٠ ]