الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ سفهِ أولئك المُتَّخِذِين أولياءَ من دونِ اللهِ، وجْهُ السَّفَهِ: قولُهُ: ﴿مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يعني كأنهم غَفَلُوا عن اللهِ ﷿ نهائيًّا واتخذوا هذه الأصنامَ أولياءَ.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله، رقم (٢٨٨٦، ٢٨٨٧) من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٥٠ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وعيدُ مَنِ اتخذ من دونِ اللهِ أولياءَ؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ هذا التهديدُ، كما يقولُ القائلُ للإنسانِ: اذهب وأنا معك، أنا وراءك، أنا أُحصي عليك.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بيانُ عمومِ عِلْمِ اللهِ ﷿؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ لأنَّ قولَهُ: ﴿حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ يَشْمَلُ جميعَ ما يقومون به من عملٍ، وهذا يَدُلُّ على سَعَةِ عِلْمِ اللهِ ﷾ واطِّلَاعِهِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن النبيَّ - ﷺ - بشرٌ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا يُحصي أعمالَ العبادِ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الرسولَ - ﷺ - وهو سَيِّدُ الدُّعاةِ وإمامُ الدُّعاةِ - لا يَلْزَمُهُ إلا أن يُبَلِّغَ؛ لقولِهِ: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ وهذه الآيةُ لها شواهدُ لفظيَّةٌ ومعنويَّةٌ، قال اللهُ ﵎: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]، يعني لا تستطيعُ، وإذا كان سَيِّدُ الدعاةِ وإمامِهِم لا يَمْلِكُ أن يَهْدِيَهُم فما بالُك بمن سواه؟
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَسْلِيَةُ الدعاةِ إلى اللهِ إذا لم يَطِعْهُمُ الناسُ، أكثرُ الناسِ - يعني الدعاةَ - إذا لم يُطِعْهِمُ الناسَ تتفطَّرُ قلوبُهُم وتنحلُّ أجسامُهُم، نقولُ: يا أخي رويدك! مَن الذي مَنَعَهُم ألا يطيعوك، من الذي مَنَعَهَم أن يطيعوك؟ نقولُ: اللهُ ﷿ نحن نقولُ: من الذي مَنَعَهم ألا يطيعوك؟ ثم قلت أن يطيعوك وكلتا العبارتين صحيحةٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، فكلا التعبيرين صحيحٌ.
ونقولُ لهذا الداعي الحريصِ على هدايةِ الناسِ: لا تَحْزَنْ عليهم ﴿وَلَا تَكُنْ فِي
[ ٥١ ]
ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]، أنتَ عليكَ ما عليكَ! وهو البلاغُ، والهدايةُ بيدِ اللهِ - ﷿ - ولو شاء اللهُ لاهْتَدَوْا، فإذا كان هذا واقعًا بمشيئةِ اللهِ فإن الإنسانَ يَطْمَئِنُّ، لكن إذا تَقَطَّعَ قلبُهُ حسرةً اشتغلَ بعيوبِ الناسِ عن عيوبِهِ؛ ولهذا تجدُ الداعيةَ الذي هذا وصفُهُ دائمًا مشغولًا بأحوالِ الناسِ وينسى نفسَهُ، لو فَتَشْتَ ما فَتَّشْتَ لرأيْتَهُ في العبادةِ مُقَصِّرًا، وإذا جاء على العبادةِ وحَضَرَ فقلبُهُ في وادٍ آخَر، وهذا غَلَطٌ، أنت مأمورٌ قبْلَ كلِّ شيءٍ بإصلاحِ نَفْسِكَ.
ومأمورٌ أيضًا بالرضا بقضاءِ ربِّكَ، قضى اللهُ - ﷿ - أن يَهْدِيَ هؤلاء الأمرُ أمرُهُ، والعِبادُ عبادُهُ، صحيحٌ أن الإنسانَ يَحْزَنُ، لكن لا ينبغي أن يَصِلَ إلى درجةٍ يَغْفُلُ بها عن نفْسِه كما هو شأنُ بعضِ الدعاةِ، والإنسانُ إذا كان هكذا فَثِقْ أنه سيكونُ متزنًا في الدعوةِ إلى اللهِ، وإلا يكنْ فَسَيكونُ متهورًا، ويأتي بما لا تُحْمَدُ عقباه؛ لذلك كُنْ داعيًا إلى اللهِ - ﷿ - كما كان عليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ.
فإن قال قائلٌ: بعضُ من يَعْمَلُ بالدَّعوةِ يُقَسِّمُ المجتمَعاتِ إلى أقسامٍ: المجتمعُ المدنيُّ، المجتمعُ الحبشيُّ، ونَزَلَ على كلِّ مُجْتَمَعٍ آياتٌ نَزَلَتْ في الصَّحابةِ في ذاك الوقتِ، فهل يصحُّ هذا؟
فالجوابُ: هو لا شكَّ هذا، وليس بسببِ أنَّ القومَ حَبَشِيُّونَ أو مَكِّيُّونَ أو مَدَنِيُّونَ، هذه قاعدةٌ عامَّةٌ: تُنَزَّلُ الآياتُ الَّتي نزلتْ في مَكَّةَ على من كان مثلَ أَهْلِ مَكَّةَ كما نَزَلَتْ فيهم، فالعبرَةُ بعمومِ اللَّفْظِ لا بخصوصِ السَّبَبِ.
مسألةٌ: يقولون: إن بَعْضَ السُّنَنِ تجبُ على طالبِ العِلْمِ؟
فالجوابُ: نعم، بعضُ السُّنَنِ تَجِبُ على طالِبِ العِلْمِ إذا كان عَمَلُه إيَّاها إحياءً للسُّنَّةِ، فهنا يجبُ عليه فِعْلُها؛ لأنَّ هذا من بابِ البلاغِ.
[ ٥٢ ]
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن النبيَّ - ﷺ - بَشَرٌ ليس له من الأمرِ شيءٌ؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، فالرسولُ ﵊ بَشَرٌ لا يستطيعُ أن يَهْدِيَ أحدًا ولا أن يُحْصِيَ أعمالَ أحدٍ، لو استطاع أن يَهْدِيَ أحدًا لَهَدى عمَّه أبا طالبٍ؛ الذي كان له من الفضلِ على الدعوةِ الإسلاميَّةِ ما هو معلومٌ، لكنه لم ينفعْه إلا في شيءٍ واحدٍ، هو حقيقةٌ لَمْ يَجْزِ شيئًا أنه شَفَعَ له عندَ اللهِ، فخفَّفَ عنه العذابَ، فكان في ضحضاحٍ من نارٍ عليه نعلانِ يغلي منهما دماغُهُ (^١)، ومع هذا يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا؛ لأنَّه لو رأى أنه أخفُّ الناس عذابًا لهان عليه الأمرُ وتسلَّى بغيرِهِ، لكنه يرى أنه أشدُّ الناسِ عذابًا، نسألُ اللهُ العافيَةَ.
وقد أشارَ اللهُ إلى أن الإشتراكَ في العذاب يُخَفِّفُ في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]، في الدنيا ينفعُ ذلك أن الإنسانَ إذا شاركه غيرُهُ، لكن في الآخرة لا يَنْفَعُ.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم (٦٥٦٤)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب، رقم (٢١٠)، من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -.
[ ٥٣ ]