الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّه يَجِبُ أن تكونَ المُقَاصَّةُ على وَجْهِ العدْلِ؛ فيكونُ جزاءُ السَّيِّئةِ سيئةً مِثْلَهَا، فلا يجوزُ أن يَعْتَدِيَ في القِصاصِ؛ لا القوليِّ ولا الفعليِّ، فلو أنَّ رجلًا سَبَّكَ بوَصْفَيْنِ، وَسَبَبْتَه بثلاثةِ أوصافٍ فلا يجوزُ؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾. ولو أن رجلًا قَطَعَ يَدَ إنسانٍ، وطلبَ القِصاصَ؛ فقال الجاني: أنا أُريدُ أن أَضَعَ بِنْجًا في يدي حتَّى لا أُحِسَّ بالألمِ، وقال المجنيُّ عليه: لا، فالقولُ قولُ المَجْنِيِّ
_________________
(١) أخرجه أبو داود: كتاب البيوع، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، رقم (٣٥٣٥)، والترمذي: كتاب البيوع، رقم (١٢٦٤)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ٣٠١ ]
عليه؛ لأنَّ الجانيَ أتى مَفْسَدَتَيْنِ: الإيلامَ، وَفَقْدَ العُضْوِ. فلا تتمُّ المُقاصَّةُ إلا إذا حَصَلَ هذان الأمْران بالنِّسبةِ للجاني.
ولو أنَّ سارقًا حُكِمَ عليه بقطعِ اليدِ، وطَلَبَ أن تُبَنَّجَ يَدُهُ؛ فيجوزُ هذا؛ لأنَّ المقصودَ - بالنِّسبةِ للسَّارقِ - إعدامُ اليدِ المتعديةِ، وهو حاصلٌ؛ وليس هناك قِصاصٌ حتَّى نقولَ: لا بدَّ أن يَكُونَ المِثْلُ بالمِثْلِ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تأكيدُ المُقاصَّةِ بالعدْلِ؛ لقولِهِ: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فأكَّدَ ذلك بقولِهِ: ﴿مِثْلُهَا﴾ لو أراد المجنيُّ عليه أنْ يأخُذَ بعضَ حقِّه؛ يجوزُ. يعني: معناه إذا أردْنا العدْلَ فهذا هو؛ وإذا عفا الإنسانُ عن حقِّهِ الخاصِّ به فلا بَأْسَ، كما أنَّه لو عفا مطلقًا فلا حَرَجَ عليه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الحثُّ على العفْوِ إذا كان إصلاحًا؛ فإن لم يكن إصلاحًا فالأخْذُ بالحزْمِ أَوْلى، دليلُ هذا أنَّ اللهَ قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ يتفرَّعُ على هذا مسألةٌ مهمةٌ: لو أنَّ الجانيَ معروفٌ بالشَّرِّ والفسادِ؛ فاعتدى على شخصٍ، هل نقولُ: الأفضلُ أن يَعْفُوَ عنه؟ الجوابُ: لا نقولُ. بل نشترطُ أن يَكُونَ ذلك إصلاحًا، هذا الرَّجلُ الشِّرِّيرُ المعروفُ بالشَّرِّ، إذا جنى على شخصٍ لا نقولُ للشَّخصِ المجنيِّ عليه: اعفُ عنه، وأَجْرُكَ على اللهِ، لأنَّنا لو عَفَوْنا عن هذا الرَّجلِ الشِّرِّيرِ في هذه القضيَّةِ المعيَّنةِ، فَعَلَ مِثْلَهَا، أو أشدَّ بعد ذلك؛ لأنَّه أَخَذَ على العفْوِ، فكان يُؤَمِّلُ أن يعفى عنه في كلِّ فِعْلٍ.
يجبُ أن نَعْلَمَ أنَّ قولَهُ ﵎: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧]، هذه الآيةُ المُطْلَقَةُ تُقَيَّدُ بهذه الآيةِ، بل كلُّ نَصٍّ فيه الحثُّ على العفْوِ فإنه مُقَيَّدٌ بهذه الآيَةِ. إذن لا بُدَّ أن يَكُونَ العفْوُ إصلاحًا، وليُنتبه لهذا.
[ ٣٠٢ ]
ولو أنَّ أحدًا صَدَمَ شخصًا وهو يقودُ السَّيَّارَةَ فمات؛ فهل الأفضلُ لأولياءِ المقتولِ أن يَعْفُوا عن الدِّيَةِ، أو أن يأخذوا بالدِّيَةِ؟ فيه تفصيلٌ، وهو إن كان هذا الرَّجُلُ معروفًا بالتَّهَوُّرِ، وعدمِ المُبالاةِ؛ وكما يقولُ بعضُ السُّفهاءِ: الدِّيَةُ في دُرْج السَّيارة، فهذا لا ينبغي أن يُعْفَى عنه، وأمَّا إذا كان رجلًا ذا مروءةٍ، ونَعْلَمُ أنَّ هذا أمْرٌ حَصَلَ منه - كما يقولُ العوامُّ - فواتَ الحِرْصِ؛ فإن الأفضلَ أن يُعْفَى عنه، وهذه الآيةُ هي ميزانُ العفْوِ المحمودِ، وغيرِ المحمودِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: تَفَضَّلَ اللهُ ﵎ على عبادِه؛ حيث أَوْجَبَ على نَفْسِهِ أجرَ العافي، يُؤْخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، ضَمِنَ اللهُ ﷿ لهذا العافي الأجْرَ، لكن بشرطِ أن يَكُونَ ذلك إصلاحًا.
* * *
[ ٣٠٣ ]