الْفَائِدَة الأُولَى: وجوبُ الدعوةِ إلى توحيدِ اللهِ ﷿؛ لقولِهِ: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ﴾، وتقديمُ المعمولِ يدلُّ على الإهتمامِ به.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّه يَجِبُ عَلَى المرءِ أن يستقيمَ كما أُمِرَ؛ فلا يُحْدِثُ في دينِ اللهِ ما ليس منه؛ لقولِهِ: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه يجوزُ توجيهُ الأمرِ لمن كان متصفًا به من قبلُ، من أجْلِ الثباتِ عَلَيْهِ؛ لقولِهِ: ﴿وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾؛ لأنَّ النبيَّ - ﷺ - استقام كما أُمِرَ من حين ما أُرْسِلَ، بل من حين ما بُعِثَ؛ لكن المرادَ بذلك الثبوتُ على هذا الشيءِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ النَّبي - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - عبْدٌ مأمورٌ، يُوجَّهُ إليه الأمرُ، وليس له من الأمرِ شيءٌ، كما قال اللهُ تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وهنا قال: ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الرَّدُّ على أولئك القومِ الذين يدَّعون أنَّ للنبيِّ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - تصرُّفًا في الكونِ، وتدبيرًا له، ومن بابِ أَوْلَى، أن يكونَ فيها رَدٌّ على القائلين بأنَّ من دون الرسولِ -﵊ - له تَصَرُّفٌ في الكونِ؛ كقولِ الرَّافضةِ وبعضِ الصوفيَّةِ الذين يَدَّعونَ أنَّ من أئمَّتِهم من يَتَصَرَّفُ في الكونِ، وأولئك الصوفيَّةُ يَدَّعُونَ أن من أقطابِهِم من يتصرَّفُ في الكونِ، فهؤلاء - لا شكَّ - ضالُّونَ مُشْرِكُونَ باللهِ ﷿.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: النهيُ عن اتِّباعِ الهَوَى؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾.
فإن قال قائلٌ: هل اتباعُ الهوى محمودٌ أو مذمومٌ؟
[ ١٥٤ ]
فالجوابُ: أما ما كان موافقًا للشريعةِ فهو محمودٌ، ولهذا رُوِيَ عن النبيِّ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ - أنه قال: "لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتى يكونَ هواه تبعًا لما جئتُ به" (^١). وأما ما خالفَ الشريعةَ فإنه مذمومٌ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تثبيتُ اللهِ ﵎ لنبِيِّهِ - صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ - لأنَّ مِثلَ هذه الأوامِرِ والنواهي تؤيِّدُهُ وتُثَبِّتُه وتُقَوِّيه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وجوبُ الإيمانِ بكلِّ ما أَنْزَلَ اللهُ من كتابٍ؛ لقولِهِ: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى: ١٥]، ولكن كيف يكونُ الإيمانُ بالكتبِ السابقةِ؟ الإيمانُ بالكتبِ السابقةِ يكونُ بالإيمانِ بأنَّها نازلةٌ من عند اللهِ ﷿ حقًّا، وأمَّا اتِّباعُها؛ فإنَّه منسوخٌ بهذه الشريعةِ التي جاء بها مُحَمَّدٌ - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ -.
فإن قال قائلٌ: وهل نُؤْمِنُ بأنَّ الكتُبَ التي في أيدي النَّصارى واليهودِ الآن هي الكتبُ النازلةُ على أنبيائِهِم؟
فالجوابُ: لا؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذكر أنهم حرفوها وأَخْفَوْا كثيرًا منها، فلذلك لا ثِقَةَ لنا بما عندهم من الكتبِ التي يَزْعُمُونها كُتُبَ اللهِ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وجوبُ العدلِ؛ لقولِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ في كلِّ معاملةٍ، بل حتى في مُعاملةِ اللهِ ﷿ فإنَّ الواجبَ العدلُ، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠]، ولمَّا بَعَثَ النبيُّ - ﷺ - عبدَ اللهِ بْنَ رواحةَ إلى اليهودِ في خَيْبَرَ، من أجْلِ مُقاسمَتِهِم جَمْعَهُم وقال لهم: إني أتيت مِن عِندِ أحبِّ الناسِ إليَّ، وإنكم لأبغضُ إليَّ من عدَّتِكم من القردةِ والخنازيرِ،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة رقم (١٥)، وابن بطة في الإبانة رقم (٢٧٩)، والبغوي في شرح السنة (١/ ٢١٢ - ٢١٣)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -.
[ ١٥٥ ]
وليس حُبي إيَّاه وبغضي إياكم بمانِعي من أن أقومَ فيكم بالعَدلِ، فقالوا: بهذا قامتِ السَّمواتُ والأرضُ (^١).
وقد ذَكَرَ العلماءُ ﵏ أَنَّه لو اجتمع مسلمٌ وكافرٌ في خصومةٍ بَيْنَ يديِ القاضي، فإنَّ الواجبَ عَلَيْهِ أن يَعْدِلَ بينهما في الجلوسِ، وفي النظرِ، وفي الكلامِ. يعني: لا يتكلَّمُ للكافرِ بغلظةٍ وينظرُ إليه شَذْرًا، وإنما يُعامِلُه كما يُعامِلُ المُسْلِمَ؛ لأنَّ العدلَ واجبٌ، ولا يَجوزُ في مقامِ الحُكمِ أن نُفَرِّقَ بيْنَ فلانٍ وفلانٍ؛ ولهذا قال: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: إعلانُ ما به الإلزامُ للخصمِ؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾؛ يعني: وإذا كان رَبَّنا وربَّكُم فالواجبُ أن ننقادَ جميعًا لأوامِرِه.
فإن قال قائلٌ: وهل اللهُ تعالى رَبُّ للكافرين؟
فالجوابُ: نعم، ربُّ كلِّ شيءٍ، لكن لا يُضافُ إليه فيقالُ ربُّ الكافرين كذا، اللهمَّ إلا في مقامِ الإحتجاجِ؛ لأَنَّه وإن كان اللهُ تعالى خالقُ كلِّ شيءٍ، وربُّ كلِّ شيءٍ، لكن لا ينبغي أن تُضَافَ رُبُوبِيَّتُه وخَلْقُهُ إلى أقبحِ خَلْقِه، كما أننا نَعْلَمُ أنه ﷾ رَبُّ الكلابِ، وربُّ الخنازيرِ، وربُّ القردةِ، وما أَشْبَهَ ذلك، لكن لا نقولُ: ربُّ القردةِ، وربُّ الكلابِ، وما أَشْبَه ذلك، وهذه نُقْطَةٌ قد لا يَتَفَطَّنُ لها بعضُ الناسِ، وهو الأدبُ في التعبيرِ.
ويُذْكَرُ أن أحدَ الملوكِ رأى في المنامِ أنَّ أسنانَه ساقطةٌ، فدعا مُعبِّرًا يَعْبُرُ الرؤيا، فَعَبَرَها هذا العابرُ أنَّ حاشيتَه تموتُ وأهْلَه؛ لأنَّ الإنسانَ بأسنانِه يتغذى ويحفظُ
_________________
(١) أخرجه ابن حبان رقم (٥١٩٩)، والبيهقي (٦/ ١١٤)، من حديث ابن عمر - ﵄ -.
[ ١٥٦ ]
حياتَهُ، فأمر بسَجْنِه. ثم إنه دعا عابرًا آخرَ فقال له: إنَّك أطولُهُم عُمرًا. فَأَكْرَمَه وارتاح لقولِهِ. والمعنى واحدٌ؛ لأنَّه إذا مات أهلُه قَبْلَه صار أطولَهُم عمرًا، لكن التعبيرَ يختلفُ هنا ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أضاف ربوبِيّتَه ﷿ إلى الكافرين، لكن في مقامِ الإحتجاجِ؛ ثم إنه يُسَهِّلُ الأمرَ، أنه قال: ﴿اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ لإفادةِ العمومِ.
مسألة: من الغلطِ العظيمِ الرجوعُ إلى الكتبِ التي تَعْبُرُ الرؤيا، وهو غلطٌ لأنَّ الرؤيا تختلفُ باختلافِ الرائي واختلافِ المرئيِّ الذي رُئِيتَ فيه إلخ، ومن الناسِ مثلًا من يرى أنه يؤذِّنُ فنفسِّرُ له الأذانَ بأنه سيحُجُّ؛ لقولِهِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]، ومن الناسِ من يرى هذه الرؤيا ونقولُ: إنه سارقٌ ﴿أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] على حسبِ الحالِ.
إذن لا يجوزُ أن نرجعَ إلى كتبِ التعبيرِ حتى نَنْظُرَ في كلِّ قضيَّةٍ بعيْنِها، ثم إن عَبْرَ الرؤيا في الواقعِ ليس سببُها العلمَ، قد يكونُ إنسانًا من أعلمِ الناسِ ولا يَعْرِفُ أن يَعْبُرَ الرؤيا، وقد يكونُ من عوامِّ الناس وَيعْبُرُها وتقعُ كما عَبَرَ؛ إذنْ لا نعتمدُ على هذه الكتبِ، لكن إن كان فيها قواعدُ عامَّةٌ يستعينُ بها الإنسانُ فهذا يُمْكِنُ أنْ نَرْجِعَ له.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ اللهَ ﷾ سوفَ يَجْمَعُ بَيْنَ الناسِ يومَ القيامةِ ويَحْكُمُ بينهم، فيما كانوا فيه يختلفون؛ لقولِهِ: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ المَرْجِعَ إلى اللهِ خاصَّةً؛ لقولِهِ: ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ لكن في أيِّ شيءٍ؟ هل معناه إليه المصيرُ يومَ الحسابِ، أو إليه المصيرُ في كلِّ شيءٍ؟
الجوابُ: الثاني، إليه المصيرُ في كلِّ شيءٍ، إن أردنا الحكمَ الشرعيَّ فالمصيرُ
[ ١٥٧ ]
إلى اللهِ، أو الحكمُ القدريُّ فالمصيرُ إلى اللهِ، أو الحُكْمُ في الدنيا فالمصيرُ إلى اللهِ، أو الحكمُ في الآخرةِ فالمصيرُ إلى اللهِ، فكلُّ شيءٍ فإن مصيرَهُ إلى اللهِ ﷿.
يتفرَّعُ على هذه القاعدةِ: أن الإنسانَ لا يرجو، ولا يخافُ، ولا يدعو إلا اللهَ وحده لا شريكَ له، ولا يستغيثُ إلا باللهِ، ولا يستعينُ إلا به.
* * *
[ ١٥٨ ]