الْفَائِدَة الأُولَى: الإنكارُ على الذين اتخذوا من دونِ اللهِ أولياءَ؛ لأنَّ (أَمْ) هنا بمعنى بل وهمزةِ الإستفهامِ الإنكاريَّةِ.
[ ٨١ ]
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هؤلاء طلبوا شيئًا من غير مَحَلِّهِ؛ لقولِهِ: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾، فهو الذي ينبغي أن يُتَّخَذَ وليًّا ﷿ فاللهُ هو الوَلِيُّ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الوَلايةِ للهِ؛ لقولِهِ: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ وهل هي عامَّةٌ أو لا؟
الجواب: في (تفسير الجلالين) مشى على أنها خاصَّةٌ قال: [وَلِيُّ المؤمنين] والصحيحُ أنها عامَّةٌ، الصحيحُ أن في هذه الآيةِ عامَّةً اللهُ وليُّ كلِّ أحدٍ، فإنَّ اللهَ تعالى وليٌّ للكافرين يَرْزُقُهُم ويعافيهم، ويدفعُ عنهم السُّوءَ، ويتولاهم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦١ - ٦٢]، لكننا نقولُ: الوَلايةُ قسمان: عامَّةٌ، وخاصَّةٌ. كما بيَّنَّاه في التفسيرِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه لا وَلايةَ لأحدٍ دون اللهِ، يُؤخَذُ ذلك من قولِهِ: ﴿هُوَ﴾؛ لأنَّ (هو) ضميرُ فصْلٍ يفيدُ الحصرَ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ قدرةِ اللهِ ﷿ على أمرٍ لا أحدَ يَدَّعِيهِ، ومن ادَّعاه كَذَّبَه الواقعُ؛ لقولِهِ: ﴿وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [الشورى: ٩]، هذه الجملةُ لا أحدَ يَدَّعِيها أبدًا، ولو ادَّعاها فهو كاذبٌ.
فإن قال قائلٌ: أليس يؤتى بالرجلِ يستحقُّ القتلَ فَيَأْمُرَ السلطانُ ألا يُقتلَ أليس هذا إحياءً؟
الجوابُ: لا، لا يُمْكِنُ أن يكون إحياءً ولكنه استبقاءُ حياةٍ؛ لأنَّ الحياةَ سابقةٌ، هو لم يجعل في هذا حياةً فيبقى ولكنه استبقى حياةً موجودةً.
[ ٨٢ ]
وإن قال قائلٌ: ما تقولون في قولِ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢]؟
فالجوابُ: لا مخالَفةَ؛ فقوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أحياهم بإبقاءِ حياتِهِم يعني: من رَفَعَ القتلَ عن الإنسانِ ودافعَ عن شخصٍ يُقْتَلُ فهو كأنما أحيا الناسَ جميعًا، ومن المعلومِ أنه لا أحدَ يستطيعُ أن يَنْفُخَ الروحَ في ميتٍ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: عمومُ قدرةِ اللهِ ﵎؛ لقولِهِ: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: حثَّ الإنسانِ على أن يَدْعُوَ اللهَ بكلِّ ما أراد، ما لم يَعْتَدِ في الدعاءِ.
وهذه فائدةٌ تربويَّةٌ: أن تَدْعُوَ اللهَ بكلِّ شيءٍ إلا ما حَرَّمَ اللهُ عليك الدُّعاءَ به؛ لقولِهِ: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، فإنك إذا دَعَوْتَ اللهَ ﷿ بأيِّ شيءٍ لا تَيْأَسْ لا تَقُلْ: هذا لا يُمْكِنُ، إلا ما كان عدوانًا واعتداءً، فلا يَجُوزُ، وهذا يَفْتَحُ للإنسانِ بابَ الرجاءِ، وبابَ دعاءِ اللهِ واللجوءِ إليه، لو كان عندك مريضٌ مزمنٌ أَيِسْتَ منه، فقلتَ: واللهِ لا أستطيعُ، لا أَقْدِرُ أَنْ أدعوَ اللهَ ﷿؛ لأنَّ الرجلَ وصلَ إلى حال خطيرةٍ، فهذا لا شكَّ غلطٌ؛ لأنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، فادعُ اللهَ.
فإنسانٌ تَقَطَّعَتْ به الأسبابُ، طَلَبَ الرزقَ في البيعِ والشراءِ فخَسِرَ، طلبَ الرزقَ في التقديمِ للوظيفةِ فلم يَنْجَحْ وهكذا، قال: إذن لا حاجةَ إِلَى أَنْ أَدْعُوَ. نقولُ له: هذا خطأٌ وغلطٌ ادعُ اللهَ، فاللهُ ﷿ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، كمْ من إنسانٍ دعوْا له الغاسلَ، واشتروْا له الكفنَ، وقرَّبُوا له النعشَ، وتهيَّأَ أصحابُهُ لتشييعِهِ ثم
[ ٨٣ ]
يعافيه اللهُ ﷿؛ لأنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، إذن؛ متى آمنْتَ - يا أخي - بأن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ فلا تَسْتَصْعِبْ شيئًا على قدرةِ اللهِ، اسألْ كلَّ شيءٍ ما لم يَكُنْ إثمًا أو قطيعةَ رَحِمٍ ولا تَيْأَسْ؛ ولهذا قال: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وهذه الجملةُ كما قلتُ لكم تفيدُ أن الإنسانَ لا يَيْأَسُ من رحمةِ اللهِ ﷿، وأن يدعوَ اللهَ تعالى بكلِّ ما أرادَ، ما لم يَكُنْ إثمًا أو قطيعةَ رَحِمٍ.
* * *
[ ٨٤ ]