الْفَائِدَة الأُولَى: أن أزمَّةَ الأمورِ للهِ وَحْدَهُ في السَّمواتِ والأرضِ، فهو الذي يُدَبِّرُ الأمورَ، ويداولُ الأيامَ بَيْنَ الناسِ، ويقَلِّبُ الأحوالَ، وكم من رجلٍ أصبحَ
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٣١٨ - ٣١٩)، والبيهقي في الأسماء والصفات رقم (٢٣١)، من حديث أنس - ﵁ -.
[ ١٢٥ ]
كافرًا وأمسى مؤمنًا، وكم من إنسانٍ أصبحَ مؤمنًا وأمسى كافرًا، كما أَخْبَرَ النبيُّ - ﷺ - عن الفِتَنِ في آخِرِ الزمانِ أنه: "يُمْسِي الإنسانُ كافرًا ويصبحُ مؤمنًا ويُمْسِي كافرًا" (^١).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الأرزاقَ بَسْطُهَا وَتَضْيِيقُهَا بيدِ اللهِ ﷿، فهل يَلْزَمُ من هذا ألا نَفْعَلَ الأسبابَ؟ لا؛ لأنَّ هذا ضَعْفٌ في التَّوَكُّلِ إذا لم تَفْعَلِ الأَسْبَابَ، افْعَلِ الأسبابَ واعتمدْ على الخلَّاقِ ﷿.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ألا نَطْلُبَ الرزقَ إلا من اللهِ؛ لأنَّه هو الذي يَبْسُطُ الرزقَ أو يُضَيِّقُهُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ المشيئةِ للهِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
فإن قال قائلٌ: هل هذه المشيئةُ مُجَرَّدَةٌ عن الحكمةِ أو مقرونةٌ بالحكمةِ؟
فالجوابُ: الثاني لا شكَّ، يعني: ليس عطاءُ اللهِ أو مَنْعُه مُجَرَّدُ أنه أراد، لا، لا بدَّ أن يكونَ لحكمةٍ، وهذه قاعدةٌ أَثْبِتْهَا في دماغِكَ، كلُّ شيءٍ قَرَنَهُ اللهُ بمشيئَتِهِ فإنه مقرونٌ بحكمةٍ ولا بدَّ، لا يُمْكِنُ أن يَفْعَلَ شيئًا عبثًا، كما قال اللهُ ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياءِ: ١٦]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون﴾ [المؤمنون: ١١٥]، فكلُّ ما مرَّ بك شيءٌ مقرونٌ بالمشيئةِ فاعلمْ أنه تابعٌ لحكمةِ اللهِ ﷿.
واقرأْ قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [المزَّمِلِ: ١٩]، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ بعدها ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسانِ: ٣٠] يعني: فمشيئتُه مقرونةٌ بالعِلْمِ والحِكْمةِ.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإيمان، باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن، رقم (١١٨)، من حديث أبي هريرة - ﵁ -.
[ ١٢٦ ]
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ عمومِ عِلْمِ اللهِ؛ لقولِهِ: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بكلِّ شيءٍ كائنٍ أو معدومٍ؟ كلاهما، لكَلِّ شيءٍ واجبِ الوجودِ، أو جائِزُه، أو مُمْتَنِعُه، يَعْلَمُ حتى المُمْتَنِعَ، قال اللهُ تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياءِ: ٢٢]. ولا يُمْكِنُ أن يكونَ فيهما آلهةٌ إلا اللهُ، ومع ذلك عَلِمَ ﷿ أنه لو كان ذلك لَفَسَدَتِ السَّمواتُ والأرضُ؛ ولهذا نقولُ: عِلْمُ اللهِ تعالى متعلِّقٌ بكلِّ شيءٍ، في الواجبِ كَعِلْمِه بنفْسِه، في المستحيلِ كَعِلْمِه بفسادِ السَّمواتِ والأرضِ لو كان فيهما آلهةٌ إلا اللهُ، في الممكنِ كعِلْمِه بالمخلوقاتِ.
فَعِلْمُ اللهِ متعلِّقٌ بكلِّ شيءٍ من واجبٍ ومستحيلٍ ومُمْكِنٍ.
وهنا تنبيهٌ على خطأٍ جارٍ بَيْنَ الناسِ: إذا كان شيءٌ قليلٌ قالوا: هذا بسيطٌ، هذا غَلَطٌ؛ لأنَّ البَسْطَ في اللغةِ يعني التوسيعَ والتكثيرَ، فلا تَقُلْ: هذا بسيطٌ، قُلْ: هذا يسيرٌ، هذا قليلٌ، إن كان من حيثُ الصفةُ قل: يسيرٌ، وإن كان من حيثُ العددُ فَقُلْ: هذا قليلٌ.
* * *
[ ١٢٧ ]