الْفَائِدَة الأُولَى: أن من أطاع الزعماءَ والكبارَ في تحريمِ شيءٍ أَحَلَّه اللهُ، أو تحليلِ شيءٍ حَرَّمَه اللهُ، أو إيجابِ شيءٍ لم يُجِبْه اللهُ؛ فإنه قد اتخذهم شركاءَ.
ويترتَّبُ على هذه الفائدةِ: أن مُتَّبِعي دعاةِ البِدَعِ قد اتخذوهم شركاءَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الأمورَ المشروعةَ لا بدَّ أن يكونَ فيها إذنٌ من اللهِ. يعني التي يَفْعَلُها الإنسانُ تديُّنًا لا بدَّ أن يكونَ فيها إذنٌ من اللهِ ﷿ لأنَّ اللهَ تعالى أَنْكَرَ على هؤلاء الذين اتخذوا شركاءَ ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ وهذا بمعنى قولِنا: الأصلُ في العباداتِ الحظْرُ والمنعُ، إلا إذا قام دليلٌ على مشروعِيَّتِه؛ وعليه فلو رأيْنا شخصًا تَعَبَّدَ بعبادةٍ لم نَكُنْ نَعْرِفُها فلنا أن نُنْكِرَ عَلَيْهِ حتى يأتيَ بدليلٍ؛ لأنَّ الدِّينَ مُتَلَقًّى من عندِ اللهِ ﷿.
[ ٢٠٤ ]
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن ما سوى الأمورِ الدينيَّةِ فإنه خاضعٌ للأمورِ العاديَّةِ أو للأحوالِ العاديَّةِ؛ لقولِهِ: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾، وعلى هذا لو شَرَعُوا قوانينَ ونُظُمًا لا علاقةَ لها بالدِّينِ؛ فإن ذلك جائزٌ، ولا تُعَدُّ موافقةُ هذه النظمِ شرْكًا. فكيف إذا كانت هذه النظمُ تؤيَّدُ بالقواعدِ العامةِ، وهي جلبُ المصالحِ ودفعُ المفاسِدِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّدُّ على أولئك القومِ الجهلةِ الذين ينكرون كلَّ نظامٍ تسُنُّهُ الحكوماتُ، بقطعِ النظرِ عن كونِهِ أمرًا دينيًّا أو أمرًا دنيويًّا، وبقطعِ النظرِ عن كونِه موافقًا للشرعِ أم غيرَ موافقٍ للشرعِ؛ لأنَّ بعضَ الناسِ مثلًا يقولُ: أنا لا أتقيَّدُ بأنظمةِ المرورِ؛ لأنَّه لا دليلَ فيها، وربما يقولُ: هذه بدعةٌ. فيقال له:
أولًا: الأمورُ الدنيويةُ الأصلُ فيها الحِلُّ، ولا يُبَدَّعُ من أتى بها خارجًا عن العادةِ، لكن يُنْظَرُ هل هي حلالٌ أم حرامٌ.
ثانيًا: أن النصوصَ تدُلُّ على وجوبِ طاعةِ ولاةِ الأمرِ؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساءِ: ٥٩]. وقولُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ في الأميرِ: "اسمعْ وأطِعْ ولو أَخَذَ مَالَكَ وضَرَبَ ظَهْرَكَ" (^١).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: حكمةُ اللهِ ﷿ بتعجيلِ أو تأخيرِ العذابِ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ [يونس: ١٩].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن ما قضاه اللهُ أزلًا لا يتغيَّرُ يعني في الماضي لا يتغيَّرُ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾.
_________________
(١) أخرجه مسلم: كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، رقم (١٨٤٧/ ٥٢)، من حديث حذيفة - ﵁ -.
[ ٢٠٥ ]
فإن قال قائلٌ: ما تقولون في قولِهِ تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]. هل يعارضُ ما قررناه من فوائدَ هذه الآيةَ؟
فالجوابُ: لا يعارضُ؛ لأنَّ اللهَ قال: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يعني: أصْلٌ، فما في أمِّ الكتابِ لا يتغيَّرُ، وما لم يَكُنْ كذلك فإنه يتغيَّرُ، أليس اللهُ تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾؟ [هودٍ: ١١٤]. فالسيئاتُ بعد أن كُتِبَتْ أتتِ الحسناتُ فَمَحَتْها، فالإنسانُ يُذْنِبُ فيكتبُ الذَّنْبَ ثم يستغفرُ فيمحى الذَّنْبُ، وأما ما في أصْلِ الكتابِ فإنه لا يتغيَّرُ؛ وعلى هذا فلا يعارضُ هذه الآيةَ وهي قولُهُ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾.
فإن قال قائلٌ: ما تقولون في الحديثِ الصحيحِ: "من أحبَّ أن يُبْسَطَ له في رزْقِه ويُنْسَأَ له في أثَرِه فَلْيَصِلْ رَحِمَه" (^١)؛ فإن هذا يدلُّ على أن صلة الرحمِ سببٌ لكثرةِ الرزقِ وسببٌ لطولِ العمرِ، وأنتم تقولون: إن العمرَ مكتوبٌ، وإن الرزقَ مكتوبٌ؟
فالجوابُ: الرزقُ مكتوبٌ على هذا السببِ والأجلُ مكتوبٌ على هذا السببِ، فيكونُ اللهُ تعالى قد كتب أَجَلَ هذا مؤخرًا لصلةِ الرحِمِ، وَوَسَّعَ في رزقِ هذا لصلةِ الرحمِ، ويكونُ هذا معلومًا عند اللهِ، لكن النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ ذكر هذا ترغيبًا في صلةِ الرحِمِ؛ لأنَّ الإنسانَ لا يعْلمُ ما كُتِبَ له في المستقبلِ؛ وحينئذٍ لا منافاةَ.
وأما من قال من العلماءِ: إن المرادَ بقولِهِ: "يُنْسَأُ له في أثَرِهِ" أن اللهَ يبارِكُ له في العمرِ. هذا غير صحيحٍ؛ لأنَّه خلافُ ظاهرِ الحديثِ، بل ظاهرُ الحديثِ أنه يؤخَّرُ،
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق، رقم (٢٠٦٧)، ومسلم: كتاب البر والصلة، باب صلة الرحم، رقم (٢٥٥٧)، من حديث أنس - ﵁ -.
[ ٢٠٦ ]
لكن يكونُ مكتوبًا عند اللهِ أنه واصلٌ، وأن عُمْرَه إلى كذا، لكن هل الإنسانُ يَعْلَمُ بأنه مكتوبٌ عند اللهِ هكذا؟ لا يَعْلَمُ. فأراد النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِهِ وسلَّمَ أن يحثَّ الإنسانَ على صلةِ الرحمِ بمثلِ هذا الوعدِ.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ الأسبابِ؛ لقولِهِ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾. فالكلمةُ السببُ بتأخيرِ العذابِ، وإثباتُ الأسبابِ أمرٌ لا يُنكره إلا الجاحدُ. واعلمْ أن الناسَ انقسموا في الأسبابِ إلى ثلاثةِ أقسامٍ:
قسمٍ أنكروا الأسبابَ نهائيًّا، وقالوا: لا تأثيرَ للسببِ في المسبَّبِ.
وقسمٍ أثبتوا الأسبابَ على وجه الغلوِّ وزعموا أنها - أي: الأسبابُ - موجِبةٌ ولا بدَّ.
والقسمُ الثالثُ: أثبتوا الأسبابَ ولكنهم جعلوا ذلك تابعًا لمشيئةِ اللهِ ﷿. وهذا القولُ هو المتعيِّنُ أننا لا ننكرُ الأسبابَ، وكيف ننكرُها ونحن نشاهدُ هذا بأعيُنِنا؟ هم يقولون: إن ما يحصلُ بالسببِ ليس حاصلًا به لكنه حاصلٌ عنده، فمثلًا: إذا رميْتَ بحجرٍ على زجاجةٍ ثم انكسرت يقولون: إن الذي كسرها ليس الحجرَ لكن كسرتْها إرادةُ اللهِ عند ملامسةِ الحجرِ، إذن حَصَلَتْ عند السببِ لا بالسَّبَبِ.
وأيضًا عندما تدخلُ ورقةٌ في النارِ تحترقُ يقولُ: النارُ لم تحرقْها، أحرقتْها إرادةُ اللهِ عند ملامسةِ النارِ. هذا كلامٌ غير معقولٍ يضحكُ منه السفهاءُ قبل الحكماءِ، كيف نقولُ ونحن نشاهدُ أن الحجرَ يقعُ على الزجاجةِ يكسِرُها، كيف نقولُ لم يكسِرْها، الإنسانُ لو اتكأ على الزجاجةِ لقال له من عنده لا تتكئْ فتنكسرَ.
وأما القولُ الثاني الغالي في إثباتِ الأسبابِ، والذين يقولون إن الأسبابَ
[ ٢٠٧ ]
فاعلةٌ ولا بدَّ، أو موجِبةٌ ولا بدَّ، هؤلاء أيضًا ضالُّون، فها هي النارُ العظيمةُ كانت على إبراهيمَ بردًا وسلامًا، ولو كان السببُ موجِبًا بذاتِهِ ولا بدَّ لأحرقت إبراهيمَ على كلِّ حالٍ، لكن اللهَ قال: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياءِ: ٦٩]. فكانت بردًا وكانت سلامًا.
قال العلماءُ ﵏: لو قال اللهُ تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ ولم يَقُلْ: ﴿وَسَلَامًا﴾ لأهلكتْ إبراهيمَ من البرْدِ، لكن اللهَ قَرَنَ البرْدَ بالسلامِ. إذن الآيةُ التي معنا فيها إثباتُ الأسبابِ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الوعيدُ الشديدُ للظالمين؛ لقولِهِ تعالى: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: من فوائدِها اللغويَّةِ: أن (أليمٌ) بمعنى مُؤْلِمٌ؛ يعني فعيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ. وهذا قليلٌ في اللغةِ العربيةِ، أكثرُ ما يأتي (أليمٌ) في اللغةِ العربيةِ بمعنى آلِمٌ؛ أي: بمعنى فاعِلٍ، هذا هو الأكثرُ، لكن قد يأتي فعيلٌ بمعنى مُفْعِلٍ كما في هذه الآيةِ، وكما في قولِ الشاعرِ:
أمن ريحانةِ الداعي السميعُ يُؤرِّقني وأصحابي هُجوعُ (^١)
السميعُ بمعنى المُسْمِعِ، يقولُها في معشوقتِه.
* * *
_________________
(١) البيت لعمرو بن معدي كرب، انظر: الأصمعيات (ص: ١٧٢)، الشعر والشعراء لابن قتيبة (١/ ٣٦٠).
[ ٢٠٨ ]