بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير سورة الصافات
قال المؤلف -رحمه الله تعالى- (^١):
[سورة الصافات مكية، وآياتها ١٨٢].
المكية هي التي نزلت قبل الهجرة، فكل ما نزل قبل الهجرة فهو مكي، وإن نزل في غير مكة.
وكل ما نزل بعد الهجرة فهو مدني وإن نزل في مكة.
وعليه، فإن قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا﴾ [المائدة: ٥]. التي نزلت على النبي - ﷺ - وهو واقف في عرفة، من المدني، هذا أصح الأقوال في المكي والمدني. أن ما نزل بعد الهجرة مدني، وما نزل قبلها مكي.
أما البسملة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإنها آية من كتاب الله مستقلة، ولهذا لا تحسب من آيات السورة التي بعدها، حتى في الفاتحة على القول الراجح: إنها ليست من السورة. وعلى هذا فالترقيم الموجود في المصاحف على خلاف القول الراجح، فإن الترقيم الموجود في المصاحف في الفاتحة عدت فيه البسملة آية من آياتها، والصحيح أنها كغيرها من السور
_________________
(١) أخي الكريم إذا مر بك: قال المؤلف. فالمراد به جلال الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد بن محمد المحلي -رحمه الله تعالى- المتوفى سنة ٨٦٤ هـ في تفسيره المسمى (تفسير الجلالين) حيث كان فضيلة الشيخ -﵀- يعلق على ما تيسر منه وقد جعلت كلامه -﵀- بين معكوفتين هكذا: [. .].
[ ٥ ]
أن البسملة فيها آية مستقلة لا تحسب من آياتها. وهي مذكورة قبل كل سورة إلا سورة براءة، فإن سورة براءة لم يتقدمها بسملة، قيل: لأنها نزلت بالسيف، والبسملة رحمة فلا يناسب أن يذكر قبلها بسملة.
ولكن هذا ليس بصحيح، بل الصحيح أن الصحابة -﵃- لما كتبوا المصحف أشكل عليهم: هل براءة من الأنفال أو ليست من الأنفال، فتركوا البسملة ووضعوا خطًّا فاصلًا بينها وبين سورة الأنفال دون أن يضعوا البسملة.
ونحن نعلم أن البسملة لو نزلت قبل سورة براءة لثبتت؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩]. فيكون اجتهاد الصحابة -﵃- في ذلك مطابقًا للواقع، أي مطابقًا لكونها لم تنزل في أول هذه السورة.
أما من حيث معناها فإن قول القائل: بسم الله. يعني بكل اسم من أسماء الله، وإنما قلنا: بكل اسم من أسماء الله؛ لأن اسم مفرد مضاف فيكون للعموم، فليس قول القائل: بسم الله. يعني اسمًا واحدًا من أسماء الله، بل يعني جميع أسماء الله، وهذا يدلك على عظمة هذه البسملة، أنك تبتدئ متبركًا ومستعينًا بكل اسم من أسماء الله ﷿.
والباء فيها للمصاحبة والاستعانة، للمصاحبة من أجل حصول بركتها: فإن البسملة فيها بركة، ولذلك إذا ذُكِرت على الذبيحة صارت الذبيحة حلالًا طاهرة، وإذا لم تُذكر صارت حرامًا نجسة. إذا ذُكرت قبل الوضوء صار الوضوء صحيحًا. وإذا لم
[ ٦ ]
تُذكر صار الوضوء فاسدًا، على قول من يرى أن البسملة من شروط الوضوء، أو من واجبات الوضوء، ولكن القول الراجح في البسملة في الوضوء أنها سنة، لقول الإمام أحمد -﵀-: لا يثبت في هذا الباب -أي في باب التسمية في الوضوء- شيء.
إذا ذكرت على الطعام طردت الشيطان عنه، وإن لم تذكر فإن الشيطان يشارك الآكل والشارب.
فالمهم أنها بركة، ولهذا نقول: الباء للمصاحبة أي: أن المبسمل يصطحب في بسملته البركة.
والاستعانة، لأنها تعين الإنسان على مهماته.
وأما (الله) فهو العلم الخاص بالله ﷾، لا يسمى به غير الله ومعناها: ذو الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. أي أن إله بمعنى مألوه، أي معبود.
فإذا قال قائل: أين الهمزة في الله؟
فالجواب: أنها حذفت للتخفيف؛ لكثرة الاستعمال. كما حذفت من ناس، وأصلها أُناس. وحذفت من شر وخير، وأصلها أشر وأخير.
أما (الرحمن) فهو اسم من أسماء الله، و(الرحيم) كذلك اسم من أسمائه. والفرق بينهما أن الرحمن باعتبار الوصف، والرحيم باعتبار الفعل، ولهذا جاءت الرحمن بهذه الصيغة الدالة على السعة، فرحمة الله واسعة شاملة لكل شيء، وأما (الرحيم) فهو الموصول رحمته إلى خلقه.
وتقسم الرحمة باعتبار اسم (الرحيم) إلى قسمين:
[ ٧ ]
عامة وخاصة.
أما (الرحمن) باعتبار الوصف فهو عام؛ لأنه ذو رحمة واسعة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ [الأنعام: ١٤٧] هذه البسملة مشتملة على جار ومجرور، والجار والمجرور معمول لابد له من عامل، وهو المسمى بالمتعلق، فيقال مثلًا: الجار والمجرور متعلق بكذا، فأين متعلَّق البسملة؟ قال أهل العلم: متعلق البسملة فعل مقدر، متأخر، موافق للمبدوء به في مادته.
فإذا كنت تريد أن تتوضأ كان تقدير هذا المحذوف: باسم الله أتوضأ، وإذا كنت تريد أن تقرأ كان تقديره: باسم الله أقرأ، وعلى هذا فقس، قال النبي - ﷺ -: "ومن لم يذبح فليذبح باسم الله" (^١) فقدر الفعل يعني ليقول: ذبحت باسم الله.
لماذا قدر فعلًا؟ لأنه الأصل في العمل. ولهذا كانت الأفعال تعمل بدون شرط. والأسماء لا تعمل إلا بشروط، كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة وغير ذلك.
وقدر متأخرًا لوجهين:
الوجه الأول: تيمنًا بالبداءة باسم الله.
والوجه الثاني: من أجل الاختصاص، لأن تأخير العامل عن المعمول يفيد الاختصاص والحصر.
وقدر موافقًا للمبدوء به في مادته، لأنه أخص وأدل على
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان (رقم ٦٦٧٤)، ومسلم في كتاب الأضاحي، باب وقتها (رقم ١٩٦٠) (١ - ٣).
[ ٨ ]