وأما قول المؤلف كانشقاق القمر فهذا للتمثيل فقط.
قال: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ ولم يقل: يسخرون، أي سخرية مع تكبر وتعالٍ، ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ (إن) نافية بمعنى ما، وخبرها ﴿سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ صفة لسحر، وهذا النوع من الاستثناء يسميه النحويون استثناء مفرغًا، لأن ما بعد (إلا) يتطلبه العامل الذي قبلها، فإذا كان ما بعد (إلا) يتطلبه العامل الذي قبلها سمي استثناء مفرغًا. تقول: ما قام إلا زيد، وما أكرمت إلا المجتهد، وما مررت إلا بعلي، فإذا كان الذي قبل (إلا) يتطلب ما بعدها سمي استثناء مفرغًا. فـ ﴿مُبِينٌ (١٥)﴾ بمعنى بيِّن ظاهر، وأبان تأتي لازمة ومتعدية، فإذا كانت لازمة فهي بمعنى "بان"، تقول: أبان الصبح، (أي بان وظهر)، وإذا استعمل متعديًا بمعنى أظهر. تقول: أبان الحق، (أي أظهر).
الفوائد:
في هذه الآيات من الفوائد:
١ - إثبات العجب لله -﷿- على قراءة ضم التاء، وهو من صفات الله الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، وكل شيء يتعلق بمشيئته فهو من الصفات الفعلية عند أهل العلم.
فإذا قال قائل: ما الذي يُعلمنا أنه يتعلق بمشيئته؟
فالجواب: أن كل صفة علقت على سبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأن الأسباب حادثة، وما يترتب على الحادث فإنه حادث، وعلى هذا فنقول: الرضا من الصفات الفعلية لأن له سببًا، والغضب والكراهة والسخط وما أشبهه. وطريق أهل السنة
[ ٤٢ ]
والجماعة في مثل هذه الصفة، إثباتها لله على الوجه اللائق به لا على وجه القصور والنقص.
٢ - ومن فوائدها أيضًا: علو منزلة الرسول - ﷺ - على قراءة الفتح، حيث اعتبر الله ﷿ تعجبه تعجبًا ينوه عنه في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ ومعلوم أن الذي ينوه عن أحواله عظيم عند من نوّه عنه، بخلاف من لا يؤبه له ولا يهتم به، ولهذا في أوساط الناس إذا غضب الملك ليس كغضب سائر الناس، تجده مثلًا يقال: تحدث الملك فغضب، لكن لو يأتي واحد من عامة الناس لو تفجر من الغضب ما تحدث الناس عنه، فتحدث الله -﷿- عن عجب الرسول - ﷺ - يدل على علو منزلته عند الله وعلى عظم شأنه - ﷺ -.
٣ - ومن فوائدها: أن هؤلاء القوم الذين أنكروا الحق زادوا في طغيانهم حتى صاروا يسخرون من الحق وأهل الحق، ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾ يعني مع تعجبك من أحوالهم هم يسخرون مما جئت به، ويسخرون بك، وهذه عادة أعداء الرسل يسخرون من الرسل ومما جاءوا به، ومما يفعلونه أيضًا.
قال الله تعالى عن نوح: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٩)﴾. [هود: ٣٨ - ٣٩].
٤ - من هذه الفائدة نأخذ فائدة أخرى: وهو أنه يجب على الدعاة إلى الحق أن يصبروا على ما ينالهم من الناس من السخرية؛
[ ٤٣ ]
لأن أعداء الرسل أكثر من أولياء الرسل. فالدعاة إلى الحق يجب عليهم الصبر إذا سمعوا من يسخر بهم، سواء كان هؤلاء الساخرون من الكفار، أو من أولياء الكفار؛ لأنه يوجد من المسلمين من هو من أولياء الكافرين، فالواجب على الدعاة أن يصبروا؛ لأن الرسل الذين هم أهل الحق وقادة الحق وأئمة الحق قد سخر الناس منهم، فكيف بك أنت، فالواجب عليك أن تصبر، والواجب على كل داعية أن يصبر على ما يحصل له من السخرية، وليعلم أن العاقبة للمتقين.
٥ - ومن فوائدها: عتو هؤلاء المكذبين لرسول الله - ﷺ - لكونهم ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾ ولا يتعظون، وذلك لقسوة قلوبهم وعتوهم -نسأل الله العافية- عكس المؤمنين الذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًّا وعميانًا.
٦ - ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء المكذبين إذا رأوا الآية الدالة على صدق الرسل ازدادوا سخرية وترفعًا ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ وهذا فوق السخرية السابقة الذي قال: ﴿وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾، وكان المفروض أنهم إذا رأوا الآيات أن يستسلموا، ولكنهم على العكس من ذلك إذا رأوا الآية يستسخرون والعجب من قوم النبي -﵊- الذين كذبوه أنهم قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ﴾ [الأنفال: ٣٢] فانظر إلى العتو -والعياذ بالله- كان الذي ينبغي أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا له، أما أن يقولوا هكذا فهذا
[ ٤٤ ]
أكبر دليل على أنهم -والعياذ بالله- طاغون معتدون.
٧ - ومن فوائد الآيات: أن المعادين للرسل يصفون ما جاءوا به بالصفات القبيحة تنفيرًا للناس منهم، يؤخذ من قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥)﴾ وهم في ذلك كاذبون يعلمون أنه ليس بسحر، لكن قالوا هذا تنفيرًا للناس عن طريق الرسل.
وهل ورثت هذه المقالة؟ الجواب: نعم، ورثت هذه المقالة، من أول من جاء من الرسل إلى عصرنا هذا وإلى يوم القيامة، قال الله -تعالى-: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾ [الذاريات: ٥٢] كل أعداء الرسل يقولون: هذا ساحر أو مجنون.
هذه الكلمة وأريد جنس هذه الكلمة لا نوعها ورثت، فصار أهل الباطل الآن يلقبون أهل الحق بألقاب السوء، انظر مثلًا إلى أهل التعطيل يلقبون أهل الإثبات بقولهم: حشوية مجسمة مشبهة وما أشبه ذلك، فهم يقولون مثل هذا الكلام من أجل أن ينفروا الناس عن طريق الحق، كذلك -أيضًا- أعداء أهل الحق يقولون هؤلاء رجعيون، هؤلاء متحجرون، هؤلاء متشددون، هؤلاء متزمتون، هؤلاء متنطعون إلى غير ذلك من الألقاب، لكن أهل الحق الذين هم أهله لا يزدادون بهذه الألقاب إلا قوة وثباتًا على ما هم عليه، لأنهم يعلمون أنهم منصورون بنصر الله -﷿-، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ [محمد: ٧] وأنا كررت كثيرًا بأن انتصار الإنسان ليس انتصار شخصه فقط، قد ينصر الإنسان في حياته ويتبين له النصر، وقد ينصر بعد مماته،
[ ٤٥ ]
بنصر ما قاله من الحق، ويكون كل من عمل بالحق الذي جاء به أو الذي بينه يكون له مثل أجره، وهذا انتصار. كل إنسان يحب أن ينتصر الحق الذي بينَّه للناس في حياته أو بعد مماته.
* * *
قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦)﴾ المراد بهذا الاستفهام الاستبعاد والإنكار، يعني أننا ننكر ونستبعد أننا نبعث إذا كنا ترابًا وعظامًا، وفي قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾ عدة قراءات.
أولًا: تحقيق الهمزتين تقول: أإذا.
ثانيًا: تسهيل الثانية.
ثالثًا: إدخال الألف في التحقيق.
رابعًا: إدخال الألف في التسهيل.
قوله: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ فيها قراءتان أيضًا:
١ - تسهيل الواو.
٢ - فتحها.
الفوائد:
١ - في هاتين الآيتين دليل على قوة إنكار هؤلاء المكذبين للبعث وذلك لأنهم أتوا به بصيغة الاستفهام المؤكد بإن، وهذا كقول أخوة يوسف له: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠] يعني أتؤكد أنك يوسف. فهؤلاء قالوا: أيؤكد لنا أئنا مبعوثون، وإذا دخلت همزة الاستفهام على هذا دل على أنهم يؤكدون إنكارهم بالبعث.
٢ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين يأتون بالشبه لأنهم
[ ٤٦ ]
يقولون: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ يعني أو يبعث أيضًا آباؤنا الأولون، وهذا لقوة إنكارهم؛ لأنهم كما قال الله عنهم في سورة الجاثية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ [الجاثية: ٢٥] وهل الذين قالوا إنكم تبعثون قالوا إن البعث يكون في الدنيا حتى تقولوا ائتوا بآبائنا؟ نعم لو قالت الرسل: إنكم يبعثون في الدنيا، أو إن آباءكم يبعثون في الدنيا صح أن يقولوا ائتوا بآبائنا، لكن الرسل يقولون: إن البعث لهم ولآبائهم يكون يوم القيامة، فهذه الشبهة التي أوردوها لا تزيدهم إلا سفهًا إلى سفههم، حجتهم التي ادعوها قالوا: إنكم تقولون إن آباءنا يبعثون هاتوهم ابعثوهم، وهذه ليست حجة؛ لأن الرسل ما قالوا إن آباءكم يبعثون الآن في الدنيا حتى تتحدوا بقولكم ائتوا بآبائنا، إنما قالوا يبعثون يوم القيامة.
﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] فهم يقولون: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ ليتوصلوا إلى الحجة الداحضة، فيقول الناس: إن هؤلاء يقولون: إن الناس يبعثون نحن وآباؤنا دعوهم يأتوا بآبائنا، والجواب على هذه الشبهة واضح جدًا، وهو أن الرسل لم يقولوا: إن آباءهم يبعثون الآن، وإنما يكون البعث يوم القيامة، وحينئذ تبطل حجتهم وينادون على أنفسهم بالسفه والعدوان، فإنهم ألزموا الرسل ما لم يلتزموه وما لم يقولوه.
٣ - من فوائدها: أن الجَدَّ يسمى أبًا لأنهم قالوا: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ وآباؤهم الأولون أجداد سابقون، فالجد يسمى أبًا،
[ ٤٧ ]