ضربت ضربًا مفعول مطلق، أبا عمرو مفعول به، غداة أتى المفعول فيه، وسرت والنيل المفعول معه، خوفًا من عقابك لي المفعول له.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ أي دائم فهم يعذبون في هذه الدنيا بهذه الشهب، ويعذبون في الآخرة بالعذاب الدائم؛ لأن الشياطين من أصحاب النار.
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ قال المؤلف -﵀-[مصدر أي المرة، والاستثناء من ضمير (يسمعون) أي لا يسمع إلا الشيطان الذي سمع الكلمة من الملائكة فأخذها بسرعة ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ﴾ كوكب مضيء ﴿ثَاقِبٌ﴾ يثقبه أو يحرقه أو يخبله]، لما قال ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ﴾ وكان هذا النفي عامًّا: يعني لا يسمع أي واحد من هؤلاء الشياطين إلى الملأ الأعلى، استثنى الشياطين المردة الذين يخطفون الخطفة، ولهذا قال: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ يعني أخذ الشيء بسرعة، وخطفة مصدر يدل على الوحدة، يعني إلا شيطانًا يخطف الخطفة فهذا يسمع، ولكن هل إذا خطف الخطفة ينجو؟ قال الله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ فهنا استثنى من نفي سماعهم إلى السماء، استثنى الذي يخطف الخطفة فهو يسمع، ولكن هل ينجو حتى يصل إلى الأرض؟ قال: ﴿فَأَتْبَعَهُ﴾ أي تبعه شهاب ثاقب يعني كوكب مضيء ثاقب أي نافذ ينفذ فيه فيخرقه أو يحرقه أو يخبله. وربما ينجو من هذا الشهاب إذا أراد الله -﷿-، ويصل إلى الكاهن ويوحي إليه بما سمع، ثم الكاهن يكذب مع ما سمع كذبات كثيرة مئة كذبة أو أكثر
[ ٣٠ ]
أو أقل، ثم يحدث الكاهن الناس بما سيكون، فإذا وقع قال: إنه يعلم الغيب، واتخذ من هذا دعاية لنفسه، ولهذا كان الكهان في العرب في الجاهلية كانوا معظمين يتحاكم الناس إليهم، لأنهم إذا أخبروا من هذه الأمور من علم الغيب وقع ما أخبروا به وصار لهم شأن كبير عند الناس، فصار الشياطين ثلاثة أقسام:
القسم الأول: قسم لا يمكنه السماع إطلاقًا.
القسم الثاني: قسم آخر يمكن أن يسمع على سبيل الخطف ويحرقه الشهاب.
والقسم الثالث: قسم يسمع على سبيل الخطف، وينجو، وكل هذا بإذن الله -﷿- وإرادته تبعًا لحكمته.
وكل هذه الآيات في بيان عظمة السماء، وأن السماء محفوظة محروسة لا يمكن أن يصل إليها أحد.
في هذه الآيات من الفوائد:
١ - بيان أن الله تعالى زين السماء بهذه الكواكب، فإنك إذا رأيت السماء في ليلة صافية ليس فيها قمر ولا حولك إضاءة وجدت لها من الحسن ما لا تتصوره من حسن هذه النجوم، فيها اللامع والخفي والقريب بعضه من بعض والمتباعد بعضه من بعض، والمختلف الأشكال مما يدل على عظمة الخالق عز جل، وأنه ﷾ جعل هذه النجوم زينة للسماء.
وفيها أيضًا فائدة غير الزينة أشار إليها بقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾.
وفيها فائدة ثالثة غير الحفظ والزينة: الاهتداء ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦] فهذه النجوم فيها هذه الفوائد الثلاث.
[ ٣١ ]
٢ - ومن فوائدها: أن السماوات متطابقة بعضها أدنى من بعض، لقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ مما يدل على أن هناك سماوات فوقها، وهو كذلك.
٣ - ومن فوائدها: عناية الله -﷾- بخلقه حيث زين لهم السقف الذي فوق رؤوسهم؛ لأنه لو كان مظلمًا حالكًا لا يرون فيه شيئًا منيرًا لكان في ذلك شيء من الإيحاش، ولكن الله تعالى اعتنى بهذا فزينه لهم.
٤ - ومنها عناية الله من وجه آخر حيث حفظ السماء الدنيا بهذه الكواكب، فإذا قال قائل: ما فائدة هذا الحفظ؟ قلنا: الفائدة لئلا تعبث الشياطين بما ينزل من السماء من الوحي، أو تعبث الشياطين بتغرير الخلق بالكهان وأنهم يعلمون الغيب.
٥ - ومن فوائدها: أن الشياطين مردة لقوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ بناء على أن كلمة مارد صفة كاشفة، فإن جعلت صفة مقيدة ففيها دليل على أن الشياطين منهم مردة، ومنهم دون ذلك، والآية محتملة لأن تكون مارد صفة لكل شيطان، ومحتملة لأن تكون صفة لبعض الشياطين، وأن يكون بعضهم غير مارد.
٦ - ومن فوائدها: أن هؤلاء الشياطين لا يسمعون إلى الملأ الأعلى السماع الكامل بحيث ينالون مرادهم، بسبب هذه الشهب التي تحرقهم فلا يستطيع الواحد منهم أن يسمع سماعًا كاملًا يصغي إلى الملأ الأعلى كما يصغي الإنسان إلى شيخه وإلى محدثه، بل تجدهم يأتون إلى السماء خطفًا فيخطفون ما يسمعون دون أن يكون هناك مهلة وتأنٍّ؛ لأنها تخشى من الشهب.
[ ٣٢ ]
٧ - ومن فوائدها: أن الشياطين أجسام لقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ لأنه لا يخرق ولا يحرق إلا ما كان جسمًا وهو كذلك، فإن الشياطين أجسام، لكنهم أجسام لطيفة تخترق الأجسام الكثيفة أجسام البشر، ولهذا قال النبي -﵊ -: "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" (^١).
كما أن الروح تجري من الجسد مجرى الدم، والروح جسم لطيف فكذلك الشياطين أجسام لطيفة تخترق الأجسام الكثيفة.
٩ - ومن فوائدها: أن الله -﷾- قد يعطي هذه الأجسام اللطيفة قدرة يصلون بها إلى السماء؛ لقوله: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾، ولا شك أنهم قد يصلون إلى السماء، وأن لديهم من القوة ما هو أشد من قوة البشر ذوي الأجسام الكثيفة، أرأيتم لما قال سليمان -﵊-: ﴿الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: ٣٨ - ٣٩] وكان له وقت معين يقوم فيه من مقامه، فقال: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك. يعني قبل أن يأتي الوقت الذي تقوم فيه، وكان سليمان ﵊ في الشام، وعرش ملكة سبأ في اليمن، ويقول: آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال الذي عنده علم من الكتاب
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف، باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه (رقم ٢٠٣٨)، ومسلم في كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رؤي خاليًا بامرأة كانت زوجته أو محرمًا أن يقول: هذه فلانة ليدفع ظن السوء به (رقم ٢١٧٤) (٢٣).
[ ٣٣ ]
والذي دعا الله -﷿- بما دعاه به: أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك. يعني قبل أن ترسل طرفك ثم ترده، لأن الذي تأتي به الملائكة، والملائكة أقوى من الشياطين، فلهذا رآه في الحال. فلما رآه مستقرًّا عنده قال: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ﴾ إلى آخر الآيات. المهم أن الشياطين لهم قوة وقدرة توصلهم إلى السماء، والذي أعطاهم هذه القوة والقدرة هو الله ﷿ ..
١٠ - ومن فوائدها: فضيلة الملائكة، حيث وصفوا بأنهم الملأ الأعلى لعلو مكانهم ومكانتهم، ففيهم العلو الحسي والعلو المعنوي.
١١ - ومن فوائدها: أن الشهب التي تقذف بها الشياطين تأتيهم من كل جانب، فإلى أي جهة حاولوا الفرار يجدون الشهب، ولا يلزم أن تجتمع هذه الشهب عليهم، قد يكون شهاب واحد يأتيهم من جهة، لكن لو حاولوا الفرار أتاهم شهاب ثانٍ، وهكذا أي جهة يحاولون الفرار منها سيجدون الشهاب، قال: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨)﴾.
١٢ - ومن فوائدها: أن الشياطين ليست أهلًا لأن تحل السماء أو تقعد فيها أو تقرب منها، ولهذا يقذفون لإبعادهم دحورًا.
١٣ - ومن فوائدها: أن الشياطين مكلفون، يقع عليهم العقاب الدائم لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ يعني دائم.
١٤ - ومن فوائدها: أن الشياطين قد تأتي بخبر السماء لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ ولكن قد يقول قائل: إن الله قال
[ ٣٤ ]