ولكن مع هذا لله أن يحلف بما شاء من خلقه. ولكن يجب أن نعلم أن لله لا يحلف بشيء من خلقه إلا كان هذا الشيء من أعظم آياته، فيكون الحلف بهذا المخلوق متضمنًا للحلف بآيات الله -﷿- التي هي فعله، لأن عظم المخلوق يدل على عظم الخالق.
٣ - ومن فوائدها: أن من صفات الملائكة الصف، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)﴾ [الصافات ١٦٥] وقال النبي -﵊ -: "ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها" (^١).
٣ - ومن فوائدها: أن الملائكة موكلة بالتصرف: بالزجر كزجر السحاب وزجر الكفار عند احتضارهم لقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾.
٤ - ومن فوائدها: أن الملائكة تتلوا الذكر أي تتلوا القرآن، وهذا يدل على قيام الملائكة بعبادة الله، وعلى فضيلة القرآن حيث تتلوه الملائكة، لقوله تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣)﴾.
* * *
﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ الجملة هذه جواب القسم، ولذلك كسرت إنَّ هنا لوقوعها في جواب القسم؛ ولأنه اقترن خبرها باللام.
وإذا وقعت إنَّ جوابًا للقسم وجب كسرها، وإذا اقترن خبرها باللام، أو اسمها المؤخر، أو معمول أحدهما باللام وجب كسرها.
﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ﴾ الخطاب يقول المؤلف: [يا أهل مكة]،
_________________
(١) أخرجه مسلم، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة والنهي عن الإشارة باليد (٤٣٠).
[ ١٥ ]
ولكن الصحيح أنه عام يشمل كل من خوطب، ولكن الذي أوجب المؤلف أن يجعله خاصًّا بأهل مكة؛ لأن هذه الآية مكية والمشركون هم أهل مكة.
ولكن لا ينبغي أن يقيد المعنى العام بمكان نزوله، وإذا كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المكان.
فالصواب ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ﴾ يعني أيها الناس ﴿لَوَاحِدٌ (٤)﴾ يعني لا شريك له، والواحد والأحد وما أشبههما تدل على الانفراد، أي أنه -﷿- لا شريك له، ﴿إِلَهَكُمْ﴾ فِعال بمعنى مفعول، أي مألوهكم، والمألوه هو الذي يعبد محبة وتعظيمًا، فبمحبته يقوم الإنسان بفعل الأوامر، وبتعظيمه ينتهي عن النواهي، إذًا إن معبودكم أيها الناس لواحد لا شريك له، فالله -﷿- لا شريك له في ربوبيته، ولا شريك له في ألوهيته، ولا شريك له في أسمائه وصفاته، دليل الربوبية قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون: ٨٦ - ٨٧] وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد: ١٦] ودليل الألوهية قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾. [محمد: ١٩].
ودليل الأسماء والصفات قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]. فالله تعالى واحد في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ﷾.
ويرد على هذا أن للمشركين آلهة متعددة؟
والجواب: أن نقول: نعم لهم آلهة لكنها آلهة باطلة،
[ ١٦ ]