٤ - ومن فوائدها: القدح والثناء بالسوء على هذه الشجرة، لأنه وصفها بأنها شجرة زقوم يتزقمها الإنسان تزقمًا يعني يبتلعها ابتلاعًا مكروهًا؛ لأنها -أي هذه الشجرة- كريهة المنظر، مرة الطعم، قبيحة الرائحة، ولهذا يتكرهونها لكن لضرورتهم إليها وشدة جوعهم يأكلونها.
* * *
قال الله -﷿-: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ قال المؤلف -﵀-: [أي للكافرين من أهل مكة، إذ قالوا: النار تحرق الشجر فكيف تنبته].
شجرة الزقوم جعلها الله فتنة للظالمين أي اختبارًا يُختبرون بها، وفتنة أي سببًا للضلال، لأن الفتنة تطلق على الاختبار وتطلق على ما كان سببًا للضلال، ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [البروج: ١٠] أي كانوا سببًا في إضلالهم، ويقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الدخان: ١٧] أي اختبرناهم. أو إن شئت قل أضللناهم؛ لأن الله اختبر آل فرعون ولكنهم ضلوا -والعياذ بالله- فأضلهم الله.
﴿فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ أي: اختبارًا لهم وسببًا لضلالهم، اختبارًا لهم لأنهم لو آمنوا لصدقوا ولم يعترضوا، وسببًا لضلالهم لأنها جعلتهم يتخذون من هذا طعنًا فيما أخبر به الرسول -﵊-، يقولون: هذا محمد يزعم أن الأشجار تنبت في النار، والعادة أن النار تحرق الأشجار فكيف تنبت في النار؟ ! ومعلوم أن الجواب على هذا يسير بالنسبة لنا، نقول: إن الله على
[ ١٤٤ ]
كل شيء قدير، وهي شجرة نارية توافق طبيعتها النار ولا تناقضها، قال الله -﷿-: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣)﴾ المراد بالظالمين هنا الكفار، ولا شك أن الكفر ظلم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ [لقمان: ١٣] ومعلوم أيضًا أن الظلم يختلف، فهو درجات متفاوتة عظيمة، منها ما يصل إلى الكفر، ومنها ما يصل إلى الفسق، ومنها ما هو دون ذلك.
سؤال: يقول بعض الناس: كيف يعذب الله إبليس وهو مخلوق من النار في النار؟ .
الجواب أن يقال: إنّ مادته لم تجعله نارًا. كما أن مادة الطين لم تجعل الآدمي طينًا.
الفوائد:
١ - من فوائد الآية: بيان الحكمة في مخلوقات الله -﷿-، وأنه -﷾- قد يفتن العبد بما يظهره من آياته.
٢ - ومن فوائدها: أن المكذب بما أخبر الله به يعتبر من المفتونين الذين فتنهم الله -﷿- وأضلهم.
٣ - ومن فوائدها أيضًا: أن ذلك من الظلم، ولكن هذا الظلم هل هو ظلم لله ورسله أو ظلم لأنفسهم؟ .
الجواب: أنه ظلم لأنفسهم ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾ [البقرة: ٥٧] فكل من حاد عن الصراط المستقيم فإنه ظالم لنفسه، لأن الواجب عليه أن يحسن رعاية هذه النفس،
[ ١٤٥ ]