وهذا يدل على عظمتها، وأنها لعظمتها صارت كالدليل الملزم لتوحيد الألوهية.
١٠ - ومن فوائدها: أن بين السماوات والأرض من المخلوقات العظيمة ما اقتضى أن يكون ما بين السماء والأرض قسيمًا للسماوات والأرض.
١١ - ومن فوائدها: تمام قدرة الله -﷾- بتصريف المشارق والمغارب لقوله: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ ولا أحد يستطيع أن يتصرف في هذه المشارق والمغارب لا بتقديم ولا بتأخير ولا بتغيير مكان، لو أن الخلق كلهم اجتمعوا على أن يقدموا طلوع الشمس بدقيقة واحدة، أو يؤخروها، أو يزحزحوها عن مكانها ما استطاعوا. وإنما ذلك إلى الله -﷿- هو الذي يتصرف فيها. وقد أمرها أن تسير كما أمرها بحكمته فسارت إلى أجل مسمى. فإذا أراد الله تعالى أن يغيرها غيَّرها وردها من حيث جاءت فشرقت من حيث غربت.
* * *
﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ (إنا) الضمير يعود على الله -﷿-، واستعمال ضمير الجمع عائدًا إلى الله من باب التعظيم، وليس من باب التعدد؛ لأن الآية تقول: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ لكن هذا من باب التعظيم، وقوله: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ﴾ أي جعلنا عليها ما يزينها وهي الكواكب، ولهذا قال: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ وفي قراءة ﴿بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ﴾ وكلاهما صحيح. (بزينةِ الكواكبِ) أي بالكواكب المزينة للسماء كما قال
[ ٢٤ ]
تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥] و(الكواكب) على القراءة التي ساقها المؤلف مضاف إليه، وزينةِ مضاف غير منون (بزينةِ الكواكب)؛ لأن الكواكب نفسها زينة تزين بها السماء الدنيا.
فإذا قال قائل: السماء الدنيا. لماذا سميت دنيا؟
فالجواب: لأنها أدنى إلى الأرض مما فوقها، فهي دنيا، وربما نقول: إنها أدنى مما فوقها في السعة والقوة، لأنه كلما علوت اتسع المكان، لأن السماوات على الأرض دائرة كالكرة، ومعلوم أنك كلما صعدت فسوف يتسع وكلما اتسع فسيكون أقوى، لأنه لو كان المتسع بقوة ما تحته ضعف، إذ كلما اتسع البناء لابد أن يكون أقوى، ونضرب لك مثلًا: لو أنك أتيت بمسلح خمسة أمتار يحتاج مثلًا إلى ١٠ سم لكن إذا جعلته ٢٠ يحتاج إلى أكثر، يعني يحتاج أن يكون سميكًا أكثر؛ لأنه لو كان بسمك الأول مع سعته لكان يهضم، وكلما اتسع فلابد أن يكون أشد بناء وأحكم.
وقوله: ﴿بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ يعني أن الكواكب تزين السماء.
وسنورد على هذا إيرادًا، وهو أننا ذكرنا قبل آنفًا أن النجوم والكواكب في فلك بين السماء والأرض، وظاهر الآية أن تزين السماء الدنيا بشيء لاصق به.
والجواب على ذلك أن يقال: إن الشيء قد يزين بالشيء، ولو كان منفصلًا عنه. أرأيت لو وضعت ثريات خارج القصر فإذا نظرت إلى القصر والثريات بينك وبينه فإن هذه الثريات ستكون
[ ٢٥ ]