التناصر؟ والجواب واضح يفيده قوله: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ منقادون أذلاء، وهذه الجملة المصدرة بـ"بل" تفيد الانتقال من أسلوب إلى آخر، يعني أنهم لا يتناصرون لأنهم اليوم مستسلمون هم وأصنامهم أذلاء صاغرون.
الاستفهام في قوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ المراد به التوبيخ والتهكم يعني أين نصر بعضكم بعضًا الذي كان في الدنيا أفلا تتناصرون اليوم؟ والجواب: لا يمكن أن يتناصروا لأنهم أذلاء مستسلمون ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ أي منقادون لحكم الله فيهم جزاءً ولحكم الله فيهم قدرًا.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ يعني أقبل بعضهم أي اتجه بعضهم إلى بعض، وجملة يتساءلون حال من الفاعل والمجرور، والفاعل في (بعضهم) والمجرور في (على بعض). أقبلوا يتساءلون يسأل بعضهم بعضًا تلاومًا وتخاصمًا، فصاروا بعد أن كانوا في الدنيا على وفاق وأخلاء صاروا في الآخرة أعداء ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف: ٦٧] يتساءلون يسأل بعضهم بعضًا على وجه التوبيخ والإنكار، ﴿قَالُوا﴾ أي الأتباع منهم للمتبوعين، ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾ قال المؤلف -﵀-[عن الجهة التي كنا نأمنكم منها، لحلفكم أنكم على الحق فصدقناكم واتبعناكم، المعنى أنكم أضللتمونا]، أي صار بعضهم يسأل بعضًا، الأتباع يسألون المتبوعين، والمتبوعون يسألون الأتباع، وكل يسأل بعضهم بعضًا لأنهم وقعوا في حيرة.
[ ٦٤ ]
يقول بعضهم لبعض وهم الأتباع يقولون: ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ﴾ ﴿إِنَّكُمْ﴾ الخطاب للمتبوعين ﴿كُنْتُمْ﴾ يعني في الدنيا ﴿تَأْتُونَنَا﴾ يعني في خطابكم لنا ودعوتكم إيانا ﴿عَنِ الْيَمِينِ (٢٨)﴾، عن للمجاوزة يعني تأتوننا إتيانًا صادرًا عن اليمين، فما المراد باليمين؟
قيل: إن المراد باليمين الحلف، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] جمع يمين، فمعنى عن اليمين عن الحلف أي أن المتبوعين يحلفون للأتباع أنهم على حق، وهذا كقول الله تعالى عن الشيطان ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١)﴾ [الأعراف: ٢١].
وقيل: إن المراد باليمين هو التفاؤل، يعني أنكم تعدوننا خيرًا، وتقولون: اتبعونا فإنكم إن اتبعتمونا نلتم العزة والغلبة فتعدوننا بالخير وأنتم كاذبون علينا.
وقيل: المراد باليمين القوة كما في قوله تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات: ٩٣] أي بالقوة، وقيل: باليد اليمنى على كل حال.
إذًا باليمين فيها ثلاثة أقوال:
١ - الحلف.
٢ - الخير.
٣ - القوة.
والحقيقة أن كل هذه الوجوه واقعة من المتبوعين، فهم يقسمون للأتباع أنهم على حق، وهم يتكلمون معهم عن طريق القوة، لأنهم متبوعون، وهم كذلك يعدونهم بالخير، يقولون: اتبعونا تكن لكم العزة والغلبة وما أشبه ذلك، فالآية شاملة لهذه
[ ٦٥ ]
الوجوه الثلاثة. يقول الأتباع للمتبوعين: إنكم كنتم تأتوننا عن هذه الجهة الحلف أو القوة أو الخير.
والمؤلف -﵀- يقول في تفسيرها [عن الجهة التي كنا نأمنكم بها]، وكلامه هذا صالح للوجوه الثلاثة؛ لأن الناس يؤمنون إذا حلفوا، ويؤمنون إذا وعدوا بالخير، ويؤمنون إذا كانوا أقوياء، لأن الغالب أن الضعيف يرى أن القوي على حق، وأنه بلغ هذه المرتبة لكونه محقًّا.