بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤)﴾ غير هؤلاء أي نعذبهم، التابع منهم والمتبوع]، وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا مجرمين، لأنهم استحقوا من العذاب ما استحقه غيرهم.
[﴿إِنَّهُمْ﴾ أي هؤلاء بقرينة ما بعدهم ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾] ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾، القائل الرسل بدليل قوله: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ وربما نختار العموم يعني إذا قالت لهم الرسل أو غيرهم حتى غير الرسل ربما ينصحونهم ويقولون لهم: قولوا لا إله إلا الله، ولكنهم يجيبون بهذا الجواب الباطل.
وقوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ هذه الجملة هي كلمة التوحيد، التي دعت إليها جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وإعرابها أن نقول: لا نافية للجنس، وإله اسمها، وخبرها محذوف تقديره حق، وإلا أداة استثناء، ولفظ الجلالة (الله) بدل من الخبر المحذوف.
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾: إله بمعنى مألوه، والمألوه هو المعبود حبًّا وتعظيمًا، الذي تألهه القلوب وتنيب إليه وتخشع له، وإله أعني هذه الصفة فعال بمعنى مفعول تأتي كثيرًا في اللغة العربية مثل: البناء الفراش، بمعنى المبني، المفروش.
فمعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله.
ولو أورد علينا مورد، بأن هناك آلهة دون الله تعالى
[ ٧٦ ]
فالجواب: أن ألوهيتهم ليست حقًّا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢] وقد فسر عامة المتكلمين (لا إله إلا الله) بقولهم: لا قادر على الاختراع إلا الله. هذا تفسيرهم لها، كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في التدمرية يقولون: (لا إله إلا الله) أي: لا قادر على الاختراع إلا الله، ففسروها بما يقتضي توحيد الربوبية، وهذا التفسير غير حق. فإذا فسرنا معنى (لا إله إلا الله) أي: لا قادر على الاختراع إلا الله يعني على الخلق إلا الله، وهذا التفسير غير صحيح وباطل من أصله.
والدليل: أن المشركين لا يستكبرون عن أن يقولوا: إنه لا خالق إلا الله، بل يقرون بذلك، إذًا من فسره بهذا التفسير فقد أخطأ.
والمشركون الذين قاتلهم الرسول - ﷺ - ما فسروه بهذا؛ لأنه لو فسروا بهذا ما استكبروا عنه.
إذًا فهذا التفسير يعتبر تفسيرًا باطلًا، ليس فيه قصور ولا نقص، بل فيه البطلان من الأصل.
سؤال: ما الفرق بين قولنا: لا معبود بحق إلا الله. وقولنا: لا معبود حق إلا الله؟
الجواب: إذا قلنا: لا معبود بحق إلا الله لم يأتِ الخبر، وصار (بحق) تعلق بمعبود، يعني لا أحد يعبد بحق إلا الله، ويكون الخبر على هذا هو (الله)، وهذا مشكل على قواعد النحو؛ لأن (لا) النافية للجنس لا تعمل إلا في النكرات.
وإذا قلنا: لا معبود حق. صارت (حق) خبر (لا) ولا تكون
[ ٧٧ ]
متعلقة بالمعبود. ولهذا قال بعضهم في تقديرها: لا معبود موجود إلا الله، وهذا غير صحيح، لأن هناك موجودًا يعبد سوى الله. ولكن الصحيح أن نقول: لا معبود حق. كما لو قلت: لا أحد قائم إلا زيد. تكون قائم هي الخبر. لا معبود حق إلا الله.
وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الله علم على الذات المقدسة لا يسمى به غيره، وهو أصل الأسماء، ولهذا تأتي أسماء الله تعالى غالبًا تبعًا له، ولا يأتي هو تبعًا لغيره إِلا نادرًا، فالأكثر أن الأسماء تأتى كلها صفة لله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٤] بسم الله الرحمن الرحيم. وربما تبعًا لها في مثل قوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم: ١ - ٢] فهنا أتت هذه الكلمة العظيمة (الله) تبعًا لما قبلها. أين جواب ﴿إِذَا﴾ في قوله ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾؟ جواب (إذا) ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾، ولكن قد يقول قائل: لماذا لم تجزم؟ كيف جعلتموها جوابًا لـ أن (إذا) ولم تجزموها مع أنها فعل مضارع، الجواب أن (إذا) حرف شرط غير جازم.
وقوله: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يتعالون كبرًا وفخرًا، فيرون أنهم أكبر من أن يقال لهم: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويأنفون من ذلك أي من قول هذه الكلمة، لأنهم يرون في أنفسهم أنهم أعظم وأكبر، ولهذا قال: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يستكبرون عن قولها فلا يقولونها ويستكبرون عمن قالها فلا يستجيبون له، فكبرياؤهم -والعياذ بالله- من الناحيتين.
الناحية الأولى: الاستكبار عن قول هذه الكلمة.
[ ٧٨ ]