ولكن الجزم بأنهم قالوا: لا. فيه نظر، لاحتمال أنهم سكتوا، ولما علم أنه لا رغبة لهم في الاطلاع ذهب واطلع. ويحتمل أنهم مشوا معه ووقفوا ولكن لم يطلعوا، فلهذا لا ينبغي أن نجزم بأنهم قالوا: لا. لاسيما وأن المعروف من أدب أهل الجنة بعضهم مع بعض أنهم فوق هذا المستوى الذي يطلب منهم ويعرض عليهم عرضًا أن يطلعوا إلى هذا الرجل الذي كان يبكته وينكر البعث، لينظر ماذا فعل الله به؟ وما فعل الله بهذا المصدق حتى يتبين بذلك قدر نعمة الله عليه، وكمال حكمته بتعذيب هذا الرجل المنكر، يبعد أن يقولوا: لا، فإما أن يقال: إنهم قاموا واطلعوا، ولكنه لما كان هو المعني بهذا الأمر نسب الأمر إليه، فقال: ﴿فَاطَّلَعَ﴾، ويحتمل أنهم قاموا معه ولم يطلعوا، بل وقفوا عند المكان الذي وقف عليه، ويحتمل أنهم سكتوا وعرف أنهم لا يريدون ذلك، ثم تقدم. المهم أن لا نجزم بهذا القول الذي قاله المؤلف -﵀-.
﴿فَاطَّلَعَ﴾ قال المؤلف -﵀-: [ذلك القائل من بعض كوى الجنة]، كُوّة يعني أن هذا الرجل اطلع على هذا ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ رأى قرينه رؤية عين ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ أي وسط النار يعذب، ولهذا قال له: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾.
قال المؤلف: [قال له تشميتًا]، هذا ما ذهب إليه -﵀- إنه قال ذلك يشمت به، ويحتمل أنه قال: تحدثًا بنعمة الله ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ ولكن الله منَّ عليَّ فلم تستطع أن
[ ١١٨ ]
ترديني، وهذا هو الأقرب، قوله: ﴿تَاللَّهِ﴾ هذا قسم بحرف التاء. والقسم هو: تأكيد الشيء بذكر معظم بصيغة مخصوصة، وكان القسم تأكيدًا، لأن المقسم كأنه يقول بلسان حاله: إن منزله هذا عندي وقدره عندي أؤكد به ما أخبرت به إذا كان خبرًا، أو ما سأفعله إن كان إنشاء.
﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ﴾ يقول المؤلف: [إن مخففة من الثقيلة] أي فأصلها إنَّ، وهي تفيد التوكيد، وإنما قال مخففة من الثقيلة؛ لأن (إن) تأتي على أوجه متعددة (^١):
و﴿كِدْتَ﴾ قال المؤلف -﵀-: [قاربت]، لأن كاد تدل على المقاربة، فهي من أفعال المقاربة، وقد اشتهر عند النحويين أن نفيها إثبات، وإثباتها نفي.
فإذا قلت: كاد يفعل، فهذا إثبات لكنه يدل على أنه لم يفعل.
وإذا قلت: لم يكد يفعل كذا، فهذا نفي لكنه يدل على أنه فعل، لقوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾. [البقرة: ٧١]
لكن هذا الذي اشتهر ليس بصحيح، فهي كغيرها من الأفعال: إثباتها إثبات، ونفيها نفي. فإذا قلت: كاد يفعل كذا، فإنها إذا كانت بمعنى قارب تدل بمادتها على أنه لم يفعل، لأن من قارب الشيء لم يدخل فيه.
وعلى هذا فإثباتها إثبات.
فهي أثبتت المقاربة. والمقاربة تدل على عدم الفعل.
_________________
(١) سبق بيان هذه الأوجه في تفسير سورة يس ص (٩٩).
[ ١١٩ ]
وأما لم يكد يفعل كذا، فهذه تدل أيضًا على انتفاء الفعل، وأنه ما قارب أن يفعل هذا الشيء، لكن إن وجد قرينة تدل على الفعل مثِلِ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾ فالإثبات جاء من كلمة ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ لا من كلمة ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١)﴾.
ولهذا قال الله تعالي: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] فهل نقول إنه يراها؟ لا، بل نقول لا يقارب أن يراها يعني هذه الظلمات العظيمة لو تضع يدك إلى جنب عينك ما رأيتها. فهذا القول المشهور ليس بصحيح، بل نقول: إن (كاد) كغيرها من الأفعال إثباتها إثبات، ونفيها نفي، لكن معناها معنى قرب. قال: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ (اللام) هذه للتوكيد، لكن يعبر عنها بعض النحويين بقولهم: اللام فارقة، أو اللام لام الفرق، يعنون بذلك أنها تفرق بين "إن" النافية وبين "إن" المخففة من الثقيلة؛ لأنها إذا جاءت بعد "إن" فإنها تدل على أنها مخففة من الثقيلة وليست بنافية؛ لأن النفي لا يؤكد باللام.
وهل تجب هذه اللام الفارقة في خبر "إن"؟
نقول في هذا تفصيل: إن كان المعنى واضحًا فإنها لا تجب، وإن كان المعنى خفيًّا فإنها تجب أي إن احتمل السياق أن تكون "إن" للنفي وجب الإتيان بها باللام الفارقة، وإن لم يكن يحتمل لم يجب.
فقول الشاعر:
وإن مالك كانت كرام المعادن
[ ١٢٠ ]
هذه لم تأتِ بها اللام، لأن السياق يراد به مدح هؤلاء الجماعة أو هؤلاء القبيلة، والمدح لا يناسبه النفي، وإنما يناسبه الإثبات، لكن إذا قلت إن زيد قائم؛ وجب عليك الإتيان باللام فتقول: إن زيد لقائم لأنك لو لم تأتِ باللام لاحتمل أن يكون معنى قولك: إن زيد قائم. ما زيد قائم، ولهذا سماها بعض النحويين (لام الفرق) أو (اللام الفارقة).
ولهذا قال ابن مالك:
وخففت إن فقل العمل وتلزم اللام إذا ما تهمل
وربما استغنى عنها إن بدا ما ناطق أراده معتمدا
فبيّن -﵀- أن اللام تلزم إذا أهملت، أما إذا أعملت فالأمر واضح.
وخلاصة هذه المسألة النحوية أن نقول: "إن" المخففة من الثقيلة تعمل ولكن عملها قليل، فإذا أهملت وجبت اللام في خبرها إلا إذا كان المعنى واضحًا. فإذا قلت: إن زيدًا قائمًا، لم تجب اللام، لأن إن النافية لا تنصب المبتدأ فالمعنى واضح أنها مخففة. وإذا قلت: إن زيد قائم، وجب الإتيان باللام لأنك لو حذفتها احتمل أن يكون للنفي وأن يكون للإثبات.
وإذا كان الرجل يمتدح شخصًا ويقول: إن زيد كريم، فلا يحتاج إلى اللام لأن المدح يقتضي أن تكون "إن" مخففة من الثقيلة لا نافية والله أعلم.
الفوائد:
١ - كمال سرور أهل الجنة، وأنهم يتحادثون
[ ١٢١ ]
ويتساءلون عما جرى في الدنيا، والتحدث عما جرى على الإنسان فيما سبق فيه لذة وراحة للنفس. أرأيت إذا تحدثت عن صباك ماذا تفعل وأنت صبي تجد في ذلك لذة وراحة ويذهب عنك الوقت وأنت لا تشعر به، فهم يتساءلون: ماذا حصل لنا في الدنيا؟ وكيف وصلنا إلى هذه النعمة؟ إلى غير ذلك من الأحاديث الممتعة الشيقة، ولهذا قال: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾.
٢ - ومن فوائدها: كمال أدب أهل الجنة في أنهم عند المحادثة يقبل بعضهم على بعض لقوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ وهذا من كمال الأدب أن تقبل إلى محدثك خلافًا لمن عندهم سوء أدب تجده عند المحادثة: وهو على يمينك تصد عن اليسار، وأنت تسأل عن حاله، حتى مهما كان الأمر فإنه من سوء الأدب، ولو فرض أنك تنظر إلى اليسار لاشتغالك بأمر مهم كأنك تنظر إلي طفل صغير تخشى عليه أن يقع في بئر، أو ما أشبه ذلك فإننا نقول: لا تحدثه وأنت صادّ عنه، إذا فرغت من هذا النظر فأقبل عليه.
وهل يؤخذ من ذلك أن من سوء الأدب أن تسلم على الإنسان من ورائه؟ فأحيانًا يكون الإنسان واقفًا حوله جماعة يسلمون عليه كلهم أمامه، ولكن يأتي واحد من ورائه يسلم عليه، فهذا المسلم عليه بين أمرين: إما أن يقبل عليه فيستدبر الآخرين، وإما أن يبقى مستقبل الآخرين، ويسلم عليه مستدبرًا له. فنقول: ليس له حق أن يُسلم من ورائه. والناس يسلمون من أمامه، وأقول: إذا أردت أن تسلم فاذهب مع الناس، وربما أنه يريد أن
[ ١٢٢ ]
يتجاوز الآخرين حتى يسلم ويمشي، وأعتقد أنه من سوء الأدب مادام الناس كلهم مقبلين على الإنسان كيف تسلم عليه من وراء، فأنت تريد أن تقطع حديثه مع هؤلاء لأجل أن يقبل عليك. وإذا كان انتظار الدور معروفًا في مصالح الناس فليكن حتى في السلام.
وعلى كل حال كون أهل الجنة يقبل بعضهم على بعض يدل على أن الإنسان إذا أراد أن يحادث غيره فليكن مقبلًا عليه، أما أن يحادثه من وراء فهذا ليس من الأدب.
٣ - ومن فوائدها: جواز التحدث بنعمة الله، بل نقول جواز في الأصل وإلا فإن التحدث من الأمور المطلوبة، ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)﴾ [الضحى: ١١] لأن هذا الرجل تحدث عما أنعم الله به عليه من الهداية مع أنه كان له قرين يريد أن يغويه.
٤ - ومن فوائدها: جواز غيبة الشخص الداعي إلى الضلالة، من قوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ ولا شك أن هذا القرين يدعو إلى الكفر، فتجوز غيبة الداعي إلى الضلال أو الكفر في الدنيا، للمصلحة العظيمة وهي تحذير الناس منه، حتى لا يقعوا في شركه.
٥ - فيها أيضًا من الفوائد: أن دعاة الضلال يأتون بالشبه التي توجب ضلال الناس، لأن هذا الداعية إلى الضلال يقول: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ فيلبس عليه ويقول: كيف يبعث من كان ترابًا وعظامًا من أجل أن يجازى؟ ! ولا شك أن مثل هذه الشبهة تنطلي على عامة الناس.
[ ١٢٣ ]
ويتفرع على هذه الفائدة: أنه يجب الحذر من تشبيه أهل الضلال، وأن لا تدخل شبههم إلى قلب الإنسان، وقد ذكر ابن القيم عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله- أنه قال: اجعل قلبك بمنزلة الزجاجة الصافية، أو القارورة الصافية، ولا تجعله كالإسفنج يتشرب كل ما ورد عليه.
لأن الزجاجة الصافية يرى الشيء من ورائها صافيًا، ولكن ما يدخل إليها شيء، لو تضعها وسط الماء ما دخل إليها شيء، لكن الإسفنج يتشرب ويقبل كل ما يرد عليه ولو نقطة واحدة انتفخ منها، فالإنسان يجب عليه أن لا يتشرب الشبهات، وأن يكون قلبه صافيًا خالصًا لا يدخل إليه شيء من هذه الأشياء.
فإن قال قائل: قد لا أملك هذا الأمر فما موقفي إذا أورد عليَّ شخص شبهة من الشبه؟
الجواب على ذلك أن نقول: إن إيراد شيطان الإنس للشبه كإيراد شيطان الجن، وقد أمر النبي - ﷺ - إذا وردت على قلب الإنسان شبهات أن ينتهي عنها، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم (^١)، وعلى هذا فالدواء أن أقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأقوم عن المكان ولا أبقى في جدال وصراع، وليس عندي علم أدفع به شبهاته، بل أقوم عن المجلس، أما أن أبقى وأنا ليس عندي علم أدفع به الشبهات فإنه ربما يؤثر عليّ، والقيام من هذا المكان الذي تلقى فيه الشبهات هو الإعراض، أو الانتهاء
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده (رقم ٣٢٧٦) ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها (رقم ١٣٤) (٢١٤).
[ ١٢٤ ]
الذي أمر به النبي -﵊- من ورد على قلبه شيء من الشبهات.
٦ - ومن فوائد الآيات: أنه قد يكون أعدى عدو للإنسان من كان مقارنًا له، لقوله: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١)﴾.
ويتفرع على هذه الفائدة:
٧ - الاحتراس من القرناء، وألا نلقي إليهم بالمودة والإسرار إلا بعد أن نخبر حالهم؛ لأن كثيرًا من الناس يتلطف إليك ويمشي معك لا من أجل أن يستفيد منك ولا من أجل أن تستفيد منه، بل من أجل أن يرى ما عندك فيقومك إما فى نفسه وإما عند غيره.
فليس كل قرين للإنسان يكون ناصحًا له. بدليل هذا ﴿لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ فاحذر القرناء لا تركن إليهم إلا بعد أن تعرف صدق نصحهم ومودتهم، وحينئذ فالإنسان مدني بالطبع، لابد للإنسان من قرين وصاحب يشكو إليه أموره، ويفضي إليه بأسراره، ويستشيره في أموره، لابد من هذا، لكن احذر، لا تركن إلى شخص إلا وقد عرفت صدقه.
٨ - ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء، لقوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣)﴾ أي مجزيون ومحاسبون كما مر.
٩ - ومن فوائد قوله تعالى: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤)﴾ أن هذا الذي أنعم الله عليه بالنجاة يطلب من إخوانه في الجنة ويعرض عليهم الاطلاع من أجل معرفة قدر نعمة الله عليهم، فإن الشيء لا يتبين إلا بضده.
[ ١٢٥ ]
هذه فائدة نقول في خلاصتها: إنه يندب للإنسان أن ينظر في ضلال من ضل ليتبين في ذلك قدر نعمة الله عليه في الهداية. فإن الأشياء إنما تتبين بضدها.
١٠ - ومن فوائدها: أن أحوال يوم القيامة لا تقاس بأحوال الدنيا، فإن هذا ينظر من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، فيرى صاحبه في سواء الجحيم.
فيتفرع على هذه الفائدة: أن كل ما ورد من أحوال يوم القيامة مما تستبعده النفوس لعدم مشاهدة نظيره في الدنيا لا ينبغي أن يكون محل استبعاد، فمثلًا ثبت في الصحيح أن الشمس تدنو من الخلائق يوم القيامة بمقدار ميل (^١). ولو أن الشمس دنت إلى الخلائق في هذه الدنيا من ذلك لأحرقتهم، لا يقول قائل: كيف يمكن أن يبقوا والشمس تدنو منهم إلى هذا الحد؟ ! كذلك أيضًا ورد أن الناس يختلفون يوم القيامة بالنسبة للعرق. فمنهم يبلغ كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ حقويه، ومنهم من يلجمه (^٢)، وهم في مكان واحد ربما يستبعد الإنسان وجود هذا، لأنه لا يشاهد نظيره في الدنيا، فنقول: لا تستبعد؛ لأن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا. ففي يوم القيامة المؤمنون نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. والكافرون في ظلمة، والمكان واحد فلا يستفيد هؤلاء من نور هؤلاء، مع أنه في الدنيا لو كان
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب الأرواح جنود مجندة. (رقم ٣٣٤٠) ومسلم، كتاب الجنة، باب في صفة يوم القيامة (رقم ٢٨٦٤).
(٢) أخرجه مسلم، كتاب الجنة، باب في صفة يوم القيامة رقم (٢٨٦٤).
[ ١٢٦ ]
أحدنا معه نور في يده ليضيء طريقه لانتفع به من كان حوله، فلا تستبعد في الآخرة أن يكون مثل هذا الأمر. لأن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا، فهذا الرجل ينظر من أعلى عليين إلى أسفل السافلين، فيرى صاحبه، ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾.
١١ - ومن فوائدها أيضًا: أن هذا المطلع يخاطب صاحبه في أسفل السافلين، ويكلمه، فكل واحد منهم يخاطب الآخر، وهذا أيضًا لا يجوز أن يستبعد؛ لأن أحوال الآخرة غير أحوال الدنيا، ولأننا ربما شاهدنا في هذه الدنيا ما يشابه هذه الحال بواسطة الاتصالات الحديثة، فالإنسان قد يخاطب صاحبه وهو في مشرق الأرض والآخر في مغربها ويخاطبه وينظر إليه.
١٢ - ومن فوائدها: بيان توبيخ هؤلاء المفسدين في يوم القيامة، لأنه وبخهم بقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ وقد جاء في آية أخرى بأنه يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضًا، قال الله تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨].
١٣ - ومن فوائدها: أن هذا القرين السيئ كان يحاول بكل جهده أن يهلك صاحبه، ولهذا من شدة دعايته كاد أن يهلك هذا ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾.
١٤ - ومن فوائدها: أن الهلاك الحقيقي هو هلاك الدين؛ لأنه وصف ذلك بالردى ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦)﴾ وهذا هو الحق، فإن الهلاك الحقيقي هو هلاك الدين، أما الدنيا فإنها إنما خلقت للفناء، وما خُلق الناس للبقاء في الدنيا ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾.
[ ١٢٧ ]