وكأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ [هود: ١١٩] ولكن الظاهر أن المراد بقول الله المشار إليه هو قوله لإبليس ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ [الأعراف: ١٨] لأن الآية التي أشار إليها المؤلف فيها بيان أن الله ﷾ قدر بحكمته أن يملأ النار من الكافرين، لكن ليس فيه الخطاب الموجه للشيطان وأتباعه، ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ فإن هذا هو الذي فيه الوعيد المباشر لمن اتبع الشيطان، فتفسير قولنا بالآية الثانية أولى من تفسيرها بما قال المؤلف، ثم قال: ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ قال المؤلف -﵀-: [﴿إِنَّا﴾ جميعًا ﴿لَذَائِقُونَ﴾ العذاب بذلك القول، ونشأ عنه قولهم ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ المعلل بقولهم: ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ علينا الضمير يعود على الأتباع والمتبوعين، ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ أيضًا يعود الضمير على الأتباع والمتبوعين. كأنهم يقولون إنا لم نخلص أنفسنا فكيف نخلصكم، ثم قال: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ يعني جعلناكم من أهل الغي بصدكم عن طريق الرشد، ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾ هذا تعليل لقولهم: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ لقولهم أي بقول هؤلاء الذي نقله الله عنهم.
الفوائد:
في هذه الآيات عدة من الفوائد:
١ - تبرأ كل من التابع والمتبوع يوم القيامة من هؤلاء الضلال، فالمتبعون أو الأتباع يجعلون اللوم على المتبوعين والمتبوعون يجعلون اللوم على الأتباع.
[ ٧١ ]
٢ - ومن فوائدها: أن المتبوعين ليس لهم سلطان يكرهون به الأتباع، بل الأتباع هم الذين اختاروا لأنفسهم الضلالة.
٣ - ومن فوائدها: فيها دليل على أن هؤلاء المشركين والكافرين أعلم بالواقع من الجبرية وأشباههم الذين يقولون: إن الإنسان يجبر على عمله. فإن هؤلاء يقرون بأن الإنسان يفعل باختياره لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ (٣٠)﴾.
٤ - ومن فوائدها: أن الأتباع يوم القيامة لا ينتفعون باتباع المتبوعين، بل إن المتبوعين يوبخونهم على طغيانهم فيقولون: أنتم الذين تجاوزتم الحد بترككم اتباع الرسل ثم اتباعنا.
٥ - ومن فوائدها إثبات قول الله -﷿- وأنه يقول: لقوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ والقول هو الكلام الذي يستفاد منه فائدة، فيتفرع على ذلك أن كلام الله بحرف وصوت، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافًا للأشعرية الذين يقولون: إن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وأن ما يسمع من هذه الحروف والصوت فإنما هو مخلوق خلقه الله تعالى تعبيرًا عما في نفسه.
٦ - ومن فوائدها: إقرار المكذبين للرسل بالربوبية لقولهم: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا﴾ ويتفرع على ذلك الرد على عامة المتكلمين الذين يفسرون التوحيد بتوحيد الربوبية فقط، فيقولون: إن التوحيد هو أن تؤمن بأن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا شبيه له.
ففي هذه الجمل الثلاث لم يذكروا توحيد الألوهية، يعني
[ ٧٢ ]
لم يقولوا: واحد في ألوهيته لا شريك له. وإنما جعلوا التوحيد ما يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الصفات فقط، على ما في هذا الكلام من إجمال يحتاج إلى تفصيل، لكن فيه حذف توحيد الألوهية، وهذا التوحيد الذي زعم عامة المتكلمين أنه هو التوحيد الذي جاءت به الرسل. لا شك أن المشركين كانوا يقرون به ولا ينكرونه، ومع هذا حكم عليهم النبي - ﷺ - بالشرك واستباح دماءهم وأموالهم ونساءهم وأراضيهم.
٧ - ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين من أتباع ومتبوعين كلهم ينالهم العذاب لقوله: ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ أي ذائقون عذاب ربنا الذي حق علينا.
٨ - ومن فوائدها: التحذير من مصاحبة أهل الغواية لقوله: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾، وقد حذر النبي - ﷺ - من مصاحبة الصاحب السوء فقال: "مثل الجليس الصالح كحامل المسك وإما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ومثل الجليس السوء كنافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة" (^١).
٩ - ومن فوائدها: إطلاق الشيء على مسببه لقوله: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ لأنهم ليسوا هم الذين أغووهم، وإنما هم سبب إغوائهم، فإن الهداية والإضلال بيد الله -﷿-، لكن هؤلاء كانوا سببًا في غواية هؤلاء فأضافوا الفعل إليهم في قولهم:
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب المسك (رقم ٥٥٣٤) ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب، باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السوء (رقم ٢٦٢٨) (١٤٦).
[ ٧٣ ]